ضياء الشهاب في شرح شِهاب الأخبار - الراوندي، قطب الدين - الصفحة ٢٨٩
٣٩٨.كَبُرَتْ خِيَانَةً أَنْ تُحَدِّثَ أَخَاكَ حَدِيثاً هُوَ لَكَ بِهِ مُصَدِّقٌ ، وَأَنْتَ لَهُ كَاذِبٌ .[١]
اعلم أوّلاً أنّ كلّ من كان ذا الوجهين فهو شرّ خليقة على بسيط الأرض ، وهو من يقول عند قوم كلاماً سوى الكلام الذي قال عند قومٍ آخرين على وجهٍ آخر ، فيوقِع الفتنةَ والشرَّ والفساد بين القومين بذلك ؛ فهو أعظم الناس خطيئةً عند اللّه ، وأكبرهم مقتاً عند خلقه . وقال عليه السلام : «أبغضكم إلى [اللّه ] المَشّاؤون بالنميمة ، المفرِّقون بين الإخوان ، الملتمسون [٢] لأهل البرّ العثرات» . [٣] وللخبر الثاني معنيان : أحدهما : أنّ كلّ قوم وكلّ قرن يموت صلحاؤهم قبل طلحائهم ؛ يذهب أصلحهم ثمّ أصلحهم إلى أن لا يبقى إلّا رذالتهم . ثمّ ضَرَبَ لهذا مثلاً محسوساً معلوماً في الشاهد ؛ فإنّ من كان بين يديه طَبَق من التمر أو في بيته شيء من الشعير ، يقدِّم الأجود فالأجود ، ويَأخذ ما هو خيرٌ حتّى لايبقى إلّا رذالتهما ، ولهذا قيل : الأخِير شرّ . ومفهومه : إذا كان فيكم صُلحاء فأكرموهم ؛ فإنّهم عن قريب يذهبون ، وإذا كان بينكم والٍ جائر فلا [٤] تمنّوا غيره مكانه ؛ فإنّ من يأتي بعده يكون شرّاً من الأوّل ، وهذا على الأغلب . والحكمة فيه أنّ اللّه تعالى يُنجي من شدّة دار التكليف المؤمن سريعاً ، ويمهل العُصاة لعلّهم يتوبون ويؤكّد الحجّة عليهم .
[١] مسند الشهاب ، ج ١ ، ص ٣٥٧ ، ح ٦١١ ـ ٦١٣ ؛ الأدب المفرد للبخاري ، ص ٩٠ ، ح ٣٩٨ ؛ سنن أبي داود ، ج ٢ ، ص ٤٧١ ، ح ٤٩٧١ ؛ السنن الكبرى ، ج ١٠ ، ص ١٩٩ ؛ الآحاد و المثاني ، ج ٥ ، ص ٨٢ ، ح ٢٦٢٤ ؛ المعجم الكبير ، ج ٧ ، ص ٧١ ؛ مسند الشاميّين ، ج ١ ، ص ٢٨٤ ، ح ٤٩٥ ؛ الجامع الصغير ، ج ٢ ، ص ٢٦٨ ، ح ٦٢١٥ . [٢] في المخطوطة : «المتلمّسون» ، وما أثبت من بعض المصادر . [٣] عوالي اللئالي ، ج ١ ، ص ١٠٠ ، ح ٢١ . وراجع : مجمع الزوائد ، ج ٨ ، ص ٢١ ؛ تحفة الأحوذي ، ج ٦ ، ص ١٣٦ . [٤] في المخطوطة : «ولا» .