ضياء الشهاب في شرح شِهاب الأخبار - الراوندي، قطب الدين - الصفحة ٢٨٦
هذه الأخبار الأربعة اتّخذها الحشويّة مرقاة إلى عقيدتهم الخبيثة ومقالتهم الفاحشة ؛ بأنّ اللّه تعالى حَكَمَ في الأزل أن يَخلق في أبي جهل وأبي لهب ونحوهما الكفر ، وأن يَخلق الإيمان في محمّد ، وأجرى القضاء والقدر بهذا وأمثاله ، وجفَّ القلم في اللوح المحفوظ بأن جَعَلَ اللّه هذا سعيداً وذاك شقيّاً . ودلائل العقل لا تُأوَّل ولا يَدخل فيها التأويل، والكلام يكون فيه المحكم والمتشابه كما يُتلى من القرآن، والكتاب والسنّة كلاهما دليل، ودليل العقل دليل، ولا يجوز أن يتنافيا؛ ولابدّ أن يُحمَل على دليل العقل كلُّ ما له ظاهر بخلافه على وجهٍ حسنٍ. ونحن نعلم أنّ اللّه لا يُثيب ولا يُعاقب بفعله ، وما خَلَقَ النار والجنّة عبثاً ، وإنّما الكُفّار معاقَبون بسوء اختيارهم للكفر ، وأنّ اللّه لم يَخلق الكفر فيهم ، بل جعل مع أبي جهل من أسباب التكليف كلّ ما فعل بمحمّد ؛ وثوابه على سبيل الاستحقاق بفعله لا بفعل اللّه فيه ، ولا بعناية أزليّة كما يهدون .[١] وإذا ثبت هذا فاعلم أنّ قضاء اللّه وقدره كليهما صحيح في أفعال اللّه نحوالآجال والأرزاق ، ولا يجوز التكليف أن يلبّس على نفسه ، ويجعل حكم فعله تعالى وحكم فعل نفسه واحداً ، والسعيد قد يكون من له سعادة الآخرة ويكون مَن له كثير من عرض الدُّنيا وزخارفها ، والشقيّ من يجد المشاقاة والمعاناة في الدُّنيا والآخرة ، فلا يستبعد أن يكون المعنى : أنّ القلم قد جرى في اللوح المحفوظ بأنّ زيداً يكون في الدُّنيا غنيّاً سعيداً وأنّ عَمراً يكون فقيراً شقيّاً . والفراغ في اللغة على ضربين ؛ أحدهما : القصد للشيء ، والآخر : الفراغ من الشغل . وهذا لا يجوز على اللّه ، فاللّه لا يشغله [٢] شأن عن شأن ؛ فإنّ اللّه تعالى يقول : « سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلَانِ » [٣] ؛ أي : سنقصد لعقوبتكم ، ونحكم بجزائكم . والمعنى في الخبر : بلّغ اللّه هذه الأربعة إلى آخرها بحيث لا مردّ له من أحد ، ولا
[١] كذا في المخطوطة . [٢] في المخطوطة : «يشغل» . [٣] الرحمن (٥٥) : ٣١ .