ضياء الشهاب في شرح شِهاب الأخبار - الراوندي، قطب الدين - الصفحة ٢٠٥
٢٢٦.الخَازِنُ الأَمِينُ الَّذِي يُعْطِي مَا اُمِرَ بِهِ طَيِّبَةً بِهِ نَفْسُهُ أَحَدُ المُتَصَدِّقِينَ .[١]
يقول : لا تُظهروا الشكوى من بلاء اللّه ؛ فإنّه مصلحة لكم ، واكتموا ما تتصدّقون به ؛ لئلّا يتأذّى به المُعطَى ولا يكون رياء ؛ فإنّ كتمان هذه الاُمور من جملة الكنوز التي فيها البرّ والطاعة ، والبرّ والمبرّة خلاف العقوق ، و«هو يبرّ خالقه» أي يطيعه . وقيل : من كنوز الجنّة : ترك إعلام الناس لمصائبه ، والصبر عليها ، وترك الشَّكِيَّة في أمراضه ، وترك الجهر بالصدقة المتطوّع بها . وللخبر الثاني معنييان : أحدهما : أنّ الرجل إذا شبه أباه خلقاً وخُلقاً كان أحبّ إلى قلب أبيه ، فيكون أشفق به ، فيخصّه أبوه بكلّ خير في يده ، وهذا من جملة سعادته . والمعنى الآخر : أنّ السعادة في الإنسان علامتها أن يشبه أباه آدم عليه السلام ولا يتشبّه بالشيطان ؛ يختارُ الطريقة المحمودة المرضيّة عقلاً وشرعاً ، فاتّباع آثاره هذه حينئذٍ تعدّ من سعادة المرء وإقباله . وقيل : هذا مخصوصٌ في رجلٍ كان أبوه على سيرة حَسَنة . ومن سعادة [المرء] حُسن خُلقه ؛ لأنّه إذا كان حسن الخلق [الناس] إليه أميل في الصحبة والمحبّة والعشرة ، ولا يكون ذلك في كثرة [ربطه معهم] قولاً وسعة إنفاقه عليهم . أراد بالخبر الرابع الحثّ على الإحسان إلى الخَلق والإنعام عليهم قولاً وفعلاً ؛ فإنّ الخير في الدُّنيا له في الآخرة أيضاً حسن الشفاعة في المذنبين وذوي الزلّات من المؤمنين ؛ يقول : [مَن] يَشفع للناس في الدُّنيا شفّعه اللّه غداً أيضاً في حقّ المجرمين ، فيكون وجيهاً عند اللّه يوم القيامة كما كان وجيهاً عند خلقه .
[١] مسند الشهاب ، ج ١ ، ص ٢٠٠ ، ح ٣٠٢ و ٣٠٣ ؛ صحيح البخاري ، ج ٣ ، ص ٤٨ ؛ مسند أحمد ، ج ٤ ، ص ٣٩٤ ؛ سنن النسائي، ج ٥ ، ص ٨٠ ؛ السنن الكبرى، ج ٢، ص ٤١، ح ٢٣٤١؛ كشف الخفاء، ج ١، ص ٣٧٢، ح ١١٩١.