ضياء الشهاب في شرح شِهاب الأخبار - الراوندي، قطب الدين - الصفحة ١٧٥
وقيل : حبُّك الدنيا يُعمي ويُصمّ عن الآخرة ، وهذا مجاز ، وكذا إذهاب الهديَّة السمع والبصر عن أخذها استعارة في الخبر بعده ، ومعنى أنّ الهديَّة يَحمل صاحبها على أن لا ينظر إلى معايب المُهدي وعداوته ومعاملته القبيحة ولا يُسمعها حتّى لا يرى الحقَّ . وفي الحديث : إذا دخلَتِ الهديّةُ من الباب ، خرجت الأمانة من الكُوَّة [١] ، فكأنّ الهديَّة هاهنا بمعنى الرشوة . وأمّا الخبر الرابع : ففيه ترغيب في اتّخاذ الخيل للغَزو عليها في سبيل اللّه ولغير ذلك من المنافع ؛ فإنّ كلّ الخير فيها إلى يوم القيامة ، أي أنّ الأجر والمغنم يكونان عليها وفيها ، وأهلها معانون ، والمنفق عليها كباسط يديه في الصدقة ، فالخيرات معقودة بنواصيها ، وهذا استعارة. وتمامه: «إلى يوم القيامة» . وقيل : المراد بالخير هاهنا كقوله تعالى : « وَ إِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ » [٢] و فِقه هذا الخبر ثلاثة أشياء : السَّهم للفرس يستحقُّه الفارس من أجله ، وإعلام أنّ المال الذي يُكتسب بإيجاب الخيول من خير وجوه المال وأطيبها ، وأنّ الجهاد إلى يوم القيامة لا ينقطع إذا حصلت شرائطه ، وسمّيت الخيل خيلاً لاختيالها . ثمّ قال : «بركة الفرس أن يكون أشقر» ، وكان عليه السلام يستحبّ الشُّقْر [٣] من الدوابِّ . [٤] وقيل : إنّما فُضّل الأشقر لأنّ النبيَّ صلى الله عليه و آله بعث سريّةً في قتال ، فكان أوّل من جاء بالفتح صاحب الأشقر [و]هو المُشرَب حُمرةً ، والفرق بينه وبين الكُمَيْتِ [٥]
[١] تاريخ مدينة دمشق، ج ٢٣، ص ٣٧ (وفيه مع اختلاف عن شريح)؛ البداية و النهاية، ج ٩، ص ٣٢٦ (وفيه: «الحقّ» بدل «الأمانة»؛ المبسوط للسرخسي، ج ١٦، ص ٨٢. والكَوُّ والكَوَّة : الخرق في الحائط والثقب في البيت ونحوه ، وقيل : التذكير للكبير والتأنيث للصغير . قال ابن سيده : وليس هذا بشيء . «لسان العرب ، ج ١٥ ، ص ٢٣٦ (كوى)» . [٢] العاديات (١٠٠) : ٨ . [٣] اُنظر : لسان العرب ، ج ٤ ، ص ٤٢١ ؛ القاموس المحيط ، ج ٢ ، ص ٦٢ (شقر) . [٤] راجع : شرح الكافي للمازندراني ، ج ١ ، ص ٤٥٠ ؛ بحارالأنوار ، ج ٢٩ ، ص ٣٠٧ ؛ و ج ٦١ ، ص ١٧٨ ؛ سنن الترمذي ، ج ٣ . ص ١٢٠ ، ح ١٧٤٦ ؛ إمتاع الأسماع ، ج ٥ ، ص ١٠٧ . [٥] الكُمَيت : لونٌ ليس بأشقر ولا أدهم ، وكذا الكُمَيْتِ : من أسماء الخمر فيها حمرة وسواد ، والمصدر الكُمْتَة . ابن سيده : الكُمْتَة لون بين السواد والحمرة يكون في الخيل والإبل وغيرهما . «لسان العرب ، ج ٥ ، ص ٣٤٣ (كمت)» .