موسوعة التاريخ الاسلامي - اليوسفي، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٨١ - الفصل الاول البيئة العربية و الظروف العالمية قبيل ظهور الإسلام
في الصحراء بلا حواجز و موانع طبيعيّة أو غيرها، كانوا يشعرون بحاجتهم إلى حماية أنفسهم و الدفاع عنها، و لا يردّ عنه إلاّ يده و سيفه ثمّ أهله و عشيرته، و هو يرى نفسه في كلّ حين عرضة للغزو و النهب و السّلب و الغارات و الثارات.
إنّ حياة البادية و الغزو المفاجئ و عمليات الاغتيال ثأرا التي كانت تهدّدهم دائما، كلّ ذلك كان يستدعي سرعة الإقدام و مباشرة العمل فورا، فإذا اضيف إلى ذلك عدم شعورهم بالمسؤوليّة عمّا يفعلون، فإنّ الإقدام بلا تروّ و لا تريّث لا بدّ و أن يصبح هو الصّفة المميّزة لهم و الطّاغية على تصرّفاتهم.. و لذا فقد قلّ أن تجد فيهم حليما.
و أخيرا فقد نعى القرآن الكريم على الجاهليّة هذه الحميّة فعبّر عنها بالحمية الجاهليّة، و هذا يعني أنّها كانت من دون تثبّت في الفكر و الرأي بل للجهل، فكيف تكون ميزة؟!
أجل إنّ الإسلام حاول أن يضع هذه الحميّة في خطّها الصحيح و أن يجعلها تنطلق من قواعد إنسانيّة و عواطف حقيقيّة و فضائل أخلاقيّة، و بالأخصّ من إحساس دينيّ صحيح، و أن يستفيد منها في بناء الامّة على اسس صحيحة و سليمة. فقد حاول أن يوجّه العصبيّة القبليّة وجهة بنّاءة و يقضي على كلّ عناصر الشر و الانحراف فيها، فدعى إلى برّ الوالدين و إلى صلة الرحم، و جعل ذلك من الواجبات و ذلك لربط الامّة المسلمة بعضها ببعض. و في الوقت نفسه أدان كلّ تعصب لغير الحقّ و ندّد به و عاقب عليه، و اعتبر ذلك من دعوات الجاهليّة المنتنة كما جاء في بعض نصوص الاحاديث. و كذلك حاول أن يوجّه غيرتهم و حميّتهم و شدّتهم إلى حيث