موسوعة التاريخ الاسلامي - اليوسفي، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٧٨ - الفصل الاول البيئة العربية و الظروف العالمية قبيل ظهور الإسلام
ذهب بعض المتأخرين من المؤرخين العرب-منهم محمد عزة دروزة في كتابه: القرآن المجيد-إلى أنّ هناك في المدن الحجازية فئة من المتعلمين بنسبة لا يمكن تجاهلها. و كلّ ما سجّله هؤلاء في كتبهم لتأييد رأيهم هو: -أنّ البيئة الحجازية-و لا سيّما مكة و المدينة-كانت بيئة تجارية-، كما أشار إلى ذلك القرآن الكريم في سورة قريش، فكانت-بحكم عملها و طبيعتها-على اتّصال وثيق و مستمر مع البلاد المجاورة من الشام و اليمن و العراق و التي كانت على جانب لا بأس به من العلم و الثقافة.
و كانت البيئة الحجازية تضم فئات كتابيّة: يهودية و مسيحية اصيلة و نازحة من البلاد المجاورة، و التي كانت تتداول ما بينها الكتب الدينية و غيرها قراءة و كتابة.
هذا من جهة، و من جهة اخرى فقد ورد في القرآن العزيز أطول آية في سورة البقرة تطلب من الناس تسجيل كافة المعاملات و التصرفات و كتابتها نقدا أو دينا صغيرة أو كبيرة [١] فكيف تطلب هذه الآيات من الناس تحقيق كلّ ذلك دون وجود قسم من المتعلمين في صفوفهم يكتبون و يدوّنون عن أنفسهم أو الآخرين.
هذا بالاضافة إلى أنّ كتبة الوحي بين يدي الرسول صلّى اللّه عليه و آله بلغ عددهم أكثر من أربعين رجلا، و أنّ كثيرا منهم كانوا مكيّين، و هم الذين كتبوا القسم المكّي من القرآن قبل هجرته صلّى اللّه عليه و آله إلى المدينة، فهذا دليل على وجود المتعلمين في مكة و إن كانوا قليلين، سواء ممّن كتب الوحي من هؤلاء و من لم يسلم بعد.
[١] البقرة: ٢٨٢.