موسوعة التاريخ الاسلامي - اليوسفي، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٦١ - تقديم كيف ينبغي أن ندرس تأريخ الإسلام
يلمّح اللمحات، و يلتفت مع اللفتات، و يتحرك مع الحركات، و يتحدث عن الأحداث، و يتكلّم بالكلمات، و يقف في المواقف بدقّة و شمول منقطع النظير، و يملك لذلك من النصوص الشيء الكثير، بحيث لا يشابهه أي تأريخ مطلقا، فإنّه ليس بإمكان أي تأريخ آخر أن يثبت الكثير من أحاديثه عن الحوادث الكبرى بصورة قطعية فضلا عن الجزئيات من الامور.
لكن لا بدّ لمن يريد الإفادة من كتب التأريخ الإسلامي من أن يفتح عينه و وعيه لكلّ كلمة منه، فيطالعها بوعي و يقظة و حذر، يسعى لاستخلاص ما ينسجم منه مع الواقع و يردّ ما عداه، ممّا مال به القائل أو لعبت به الأهواء، و لا سيّما ما يتعلق منه بصدر الإسلام، ممّا يتحكم فيه الهوى المذهبي و التزلّف إلى الخلفاء و الامراء و الحكّام فيذكر الأمر منقطعا عن علله و عوامله و منفصلا عن أسبابه و جذوره، و ذلك بفعل التعصب البغيض و الظلم الكثير. فالمؤرّخ كان لا يكتب و لا يثبت إلاّ ما ينسجم مع نفسية الحاكم، و يتّفق و قوله، مهما كان مخالفا للواقع و الحقيقة، و لاتجاه المؤرّخ عقيدته أيضا، فهو يشوّه امورا صدرت من الحاكم أو غيره و يحيطها بالغموض و الإبهام، أو يهمل أحداثا و يتجاهل شخصيات لها أثرها في التأريخ، و يختلق أحداثا أو شخصيات لا وجود لها، أو يسهب الكلام في وصف غرام أو مجلس رقص أو غناء و شراب و يعنى بامور حقيرة تافهة.
بينما مهمّة المؤرّخ أن يعكس حياة الامة و ما عرض لها من أزمات فكريّة و اجتماعية و سياسية و اقتصادية، و بصورة عامة كلّ ما مرّت به من أوضاع و أحوال، و ذلك بدقّة و أمانة. و ليس بخاف ما في ذلك من الأثر الكثير في حياة الامّة و وضعها في الحال الحاضر: عقائديّا و علميّا و ادبيّا و اجتماعيّا، حسب اختلاف الأحداث عمقا و شمولا. و لا ينفي ترتّب هذا