موسوعة التاريخ الاسلامي - اليوسفي، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٦٤ - الفصل الاول البيئة العربية و الظروف العالمية قبيل ظهور الإسلام
دينهم في أطراف مملكته بكلّ ما قدر عليه. فأصبح الدين الرسمي و العام لإيران على عهد الساسانيين هي المجوسية، و بما أنّ سلطة الساسانيين إنّما تحققت بتأييد موابذة المجوس لذلك كانوا في رعاية تامة من قبل البلاط الساساني، و كانوا أقوى طبقة في المجتمع الطبقي الإيراني، و كان الحكّام الساسانيون في الواقع متعيّنين بتعيين من الموابذة المجوس، فاذا تمرد أحد الحكام على العلماء الروحيين كانوا يقابلونه بشدّة، و كذلك كان الملوك الساسانيّون يقبلون على طبقة رجال الدين أكثر من أية طبقة اخرى، و لذلك كان الموابذة في اطّراد و كثرة، و كان الساسانيون يفيدون منهم لتأييد سلطانهم، و يقيمون لهم في أطراف ايران معابد النيران و في كلّ منها عدد كثير منهم، حتّى كتبوا أنّ خسرو پرويز بنى معابد نيران كانت تسع لاثني عشر ألف «هيربد» من العباد يصلّون و يتلون الأناشيد الدينية [١] .
و هكذا كانت المجوسية دين البلاط الرسمي، و كان الموابذة المجوس يسعون لتهدئة الطبقات الكادحة و المحرومة من المجتمع بحيث لا يحسّون كثيرا بآلامهم.
و هذه الصلاحيات اللامحدودة المخوّلة للموابذة المجوس و ضغطهم الشديد على عموم الناس أثر في ابعاد الناس عن المجوسية، فكان أكثر الناس يحاولون أن يجدوا لانفسهم دينا غير دين طبقة الأشراف.
و من ناحية اخرى: فانّ دين المجوس كان قد فقد حقيقته تماما، فقد بلغ تقديس النيران الى تحريم ضرب الحديدة المحماة بالنار بالمطرقة لأنّها بمجاورتها النار كانت قد تقدست بقداسة النار المقدسة!و هكذا شكّلت
[١] بالفارسية: تاريخ تمدن ساسانى ١: ١.