التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٠١ - مقارنة عابرة
فمن المتناسب قول علي بن أبيطالب عليه السلام في بعض كلامه: «أين من سعى واجتهد، وجمع وعدّد، وزخرف ونجّد، وبنى وشيّد» فأتبع كلّ لفظة مايشاكلها، وقرنها بما يشبهها (وهذا من لطيف الكلام).
قال: ومن الفرق المنفصل قول امرئ القيس، وذكر البيتين ...
قال: وكان قد ورد على سيف الدولة رجل بغداديّ يعرف بالمنتخب، لايكاد يسلم منه أحد من القدماء والمحدثين، ولايذكر شعرٌ بحضرته إلّا عابه، وظهر على صاحبه بالحجّة الواضحة، فأنشد يوما هذين البيتين، فقال: قد خالف فيهما وأفسد، لوقال:
|
كأنّي لم أركب جوادا، ولم أقل |
لخيلي كرّي كرّة بعد إجفال |
|
|
ولم أسبأ الزّق الرويّ للذّة |
ولم أتبطّن كاعبا ذات خلخال |
|
لكان قد جمع بين الشيء وشكله، فذكر الجواد والكرّ في بيت، وذكر النساء والخمر في بيت! فالتبس الأمر بين يدي سيف الدولة، وسلّموا له ما قال!
فقال رجل ممّن حضر: ولاكرامة لهذا الرأي، اللّه أصدق منك حيث يقول: «إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيها وَ لا تَعْرى. وَ أَنَّكَ لا تَظْمَؤُا فِيها وَ لا تَضْحى».[١]
فأتى بالجوع مع العرى ولم يأت به مع الظمأ. فسرّ سيف الدولة، وأجازه بصلة حسنة.
هذا ... وقد حاول صاحب الكتاب تبرير موقف امرئ القيس في تفرقته هذه غير المتناسبة، وأتى بتكلّف وتأويل ظاهرين ...
وأمّا الآية الكريمة فقد فنّد مزعومة القائل بأنّها نظيرة البيتين، قال: وأمّا احتجاج الآخر بقول اللّه عزّوجلّ فليس من هذا في شيء لأنّه تعالى أجرى الخطاب على مستعمل العادة، وفيه مع ذلك تناسب، لأنّ العادة أن يقال: جائع عريان، ولم يستعمل في هذا الموضع عطشان ولاضمآن. وقوله تعالى: «تَظْمَؤُا» و «تَضْحى» متناسب، لأنّ الضاحي
[١] - طه ١١٨: ٢٠- ١١٩.