التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٢٣ - ٢ - لبيد بنربيعة العامري
فلمّا خرجوا من عنده صلى الله عليه و آله راجعين إلى بلادهم، حتى إذا كانوا ببعض الطريق، بعث اللّه على عامر الطاعون في عنقه، فهلك في بيت امرأة من بني سلول. فجعل يقول: أغدّة كغدّة الإبل، وموتا في بيت سلولية؟!
وأمّا أربد، فلمّا قدم على قومه، قالوا: ما وراءك ياأربد؟ قال: لاشيء، لقد دعانا إلى عبادة لوددت أنّه عندي الآن فأرميه بالنبل. فخرج بعد مقالته هذه بيوم أو يومين معه جمل له يتبعه، فأرسل اللّه تعالى عليه وعلى جمله صاعقة فأحرقتهما.
وكان أربد بن قيس هذا أخا للبيدبن ربيعة لأُمّه.
ولمّا بلغ لبيدا ماأصاب أربد من عذاب اللّه وسخطه، رثاه وبكى عليه في قصائد مطنطنة، وأبيات شعر كثير، يكبر من قدره و يعظّم من شأنه، ممّا يكشف عن خصومته للإسلام الذي أذلّ أعزّة الجاهلية من أهل الشرك والإلحاد.[١]
هذا لبيد، مع شدّة خصومته مع الإسلام وطول معارضته مع المسلمين في أكثر من عشرين عاما، ومع قدرته الفائقة في نظم الشعر والقريض والإيفاء بكلام فصيح، أنّه لم يستطع بل لم يفكّر يوما في معارضة القرآن بالبيان.
وأما إسلامه فكان على أثر جدب أصاب مضر، بدعوة النبي صلى الله عليه و آله عليهم. فوفد عليه وفد قيس، وفيهم لبيد، فأنشده:
|
أتيناك يا خير البريّة كلّها |
لترحمنا ممّا لقينا من الأزل[٢] |
|
|
أتيناك والعذارء تدمي لبانها |
وقد ذهلت أُم الصبي عن الطفل[٣] |
|
|
فإن تدع بالسقيا وبالعفو ترسل السماء |
لنا، والأمر يبقى على الأصل[٤] |
|
[١] - راجع: سيرة ابنهشام، ج ٤، ص ٢١٣- ٢١٩.
[٢] - الأزل- بفتحتين-: القدم ومالا نهاية له. كناية عن التقدير فيما كان تعتقده العرب في مسألة القدر.
[٣] - اللبان- بفتح الأوّل-: الصدر أو خصوص مابين الثديين.
[٤] - يبقى على الأصل، أي يرجع إلى أصلها قبل الجدب.