التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٤٩ - ١١ - أبوالعلاء المعري
مدارج السيل، وطالع التوبة من قبيل، تنج وما إخالك بناج». وقوله: «أذلّت العائذة أباها، وأصاب الوحدة وربّاها، واللّه بكرمه اجتباها، أولاها الشرف بماحباها، أرسل الشمال وصباها، ولايخاف عقباها ...».[١]
لكنّه كلام ليس يشبه من كلام أديب شاعر بليغ. قال الرافعي: وتلك ولاريب فرية على المعرّي أراده بها عدوّ حاذق، لأنّ الرجل أبصر بنفسه وبطبقة الكلام الذي يعارضه.
ولأنّه هوالذي أثبت إعجاز القرآن فيما كتبه ردّا على ابن الراوندي فيما نسب إليه.
قال- بشأن إعجاز القرآن-: «وأجمع ملحد ومهتد، وناكب عن المحجّة ومقتدٍ، أنّ هذا الكتاب الذي جاء به محمد صلى الله عليه و آله كتاب بهر بالإعجاز، ولقى عدوّه بالإرجاز، ماحُذي على مثال، ولاأشبه غريب الأمثال، ماهو من القصيد الموزون، ولاالرجز من سهل وحزون، ولاشاكل خطابة العرب، ولاسجع الكهنة ذويالإرب ... وأنّ الآية منه أو بعض الآية لتعترض في أفصح كلم يقدر عليه المخلوقون، فتكون فيه كالشهاب المتلألئ في جنح غسق، والزهرة البادية في جدوب ذاب نسق، فتبارك اللّه رب العالمين».[٢]
نعم يجوز أن يكون الكلام الآنف إنّما قاله مداعبة لاعن جدّ وعن واقعيّة أرادها. قال الخطيب: إن يكن ذلك من كلام أبي العلاء فلن يكون إلّا عن معابثة أرادها وقعد لها، وإلّا فإنّ أبا العلاء لايرضى بنفسه أن تنزله إلى هذا السخف في مقام الجدّ أبدا. وإنّه إذاكان أبوالعلاء يتّهم في دينه، فإنّه لايتّهم في أدبه، وإنّ ذوقه للكلام وبصره بمواقع الحسن والروعة فيه يحميه من أن يزلّ أو ينزلق فيتصدّى لمعارضة القرآن ويلقي بنفسه في البحر ليكون من المغرقين. وهو الذي دأب على أن يزيّن كلامه وأدبه بما يقبس من كلمات القرآن وآياته، فهل من يفعل ذلك يتصدّى لمعارضة القرآن؟! المعرّي أعقل من هذا وأعرف الناس بمكانة القرآن![٣]
[١] - معجم الادباء لياقوت الحموي، ج ٣، ص ٤١٥.
[٢] - المصدر، ج ٣، ص ١١٠.
[٣] - الإعجاز في دراسات السابقين، ص ٥٠٥.