التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٤٢ - ٥ - ابن المقفع
روى الصدوق رحمه الله بإسناده المتّصل إلى أحمد بنمحسن الميثمي، قال: كنت عند أبي منصور المتطبّب، فقال: أخبرني رجل من أصحابي قال: كنت أنا وابن أبيالعوجاء وعبداللّه بنالمقفّع في المسجد الحرام. فقال ابنالمقفّع: ترون هذا الخلق؟ وأومأ بيده إلى موضع الطواف. ما منهم أحد أوجب له اسم الإنسانيّة، إلّا ذلك الشيخ الجالس- يعني جعفربن محمد عليه السلام- فأمّا الباقون فرعاع وبهائم.
فقال له ابن أبيالعوجاء: وكيف أوجبت هذا الاسم لهذا الشيخ دون هؤلاء؟ قال: لأنّي رأيت عنده مالم أرعندهم.
فقال ابن أبي العوجاء: مابدّ من اختبار ما قلت فيه منه.
فقال له ابن المقفّع: لاتفعل، فإنّي أخاف أن يفسد عليك ما في يدك.
فقال: ليس ذا رأيك، ولكنّك تخاف أن يضعف رأيك عندي، في إحلالك إيّاه المحلّ الذي وصفت! فقال ابن المقفّع: أمّا إذا توهّمت عليّ هذا فقم إليه، وتحفّظ ما استطعت من الزلل، ولاتثن عنانك إلى استرسال يسلمك إلى عقال، وسمه مالك أو عليك!
قال: فقام ابن أبي العوجاء إلى الإمام وتكلّم معه وحاججه طويلًا- في شرح يطول- ثمّ رجع وهو مبهور بفضله (صلوات اللّه عليه) ونبوغه. فقال: ياابن المقفّع، ماهذا ببشر، وإن كان في الدنيا روحاني يتجسّد، إذا شاء ظاهرا، ويتروّح إذا شاء باطنا، فهو هذا! ثمّ ذكر له حديثه معه.[١]
وهذا إن دلّ فإنّما يدلّ على أنّ ابن المقفّع كان يرى- بفضل ذكائه وفرط عقله- مكانة أئمّة المسلمين، الأحقّاء بمقام الإمامة، سموّا ورفعة وشموخا، تلك كانت عقيدته الباطنة، وربّما كان يتألّم من تقدّم غير الأهل من أهل الهرج والضوضاء، فكان يقوم في وجههم ويعارضهم بقوّة بيانه وصريح حجّته، ومن ثمّ رموه بالزندقة والإلحاد. هذا ماأظنّه بحقّ الرجل وربّما لاأشك في استقامة طريقته على غرار استقامة سائر أبناء الفرس الذين
[١] - التوحيد للصدوق، باب القدرة، ح ٤، ص ١٢٦.