التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٨٤ - عتبة بنربيعة
فكلّمه. فقام إليه عتبة حتّى جلس إلى رسولاللّه صلى الله عليه و آله فقال:
يا ابن أخي، إنّك منّا حيث قد علمت من السطة[١] في العشيرة، والمكان في النسب، وإنّك قد أتيت قومك بأمر عظيم، فرّقت به جماعتهم، وسفّهت به أحلامهم[٢] وعيّبت به آلهتهم ودينهم وكفّرت به من مضى من آبائهم، فاسمع منّي أعرض عليك امورا تنظر فيها، لعلّك تقبل منها بعضها!
فقال له رسول اللّه صلى الله عليه و آله: قل يا أباالوليد، أسمع!
قال: يا ابن أخي، إن كنت إنّما تريد بما جئت به من هذا الأمر مالًا، جمعنا لك من أموالنا حتّى تكون أكثرنا مالًا، وإن كنت تريد به شرفا، سوّدناك علينا، حتّى لانقطع أمرا دونك، وإن كنت تريد به ملكا ملّكناك علينا ... قال: وإن كان هذا الذي يأتيك رئيّا تراه[٣] لاتستطيع ردّه عن نفسك طلبنا لك الطبّ، وبذلنا فيه أموالنا، حتّى نبرئك منه، فإنّه ربّما غلب التابع[٤] على الرجل حتّى يداوى منه!
حتّى إذا فرغ عتبة، ورسول اللّه صلى الله عليه و آله يستمع منه، قال: أقد فرغت يا أباالوليد؟ قال: نعم! قال صلى الله عليه و آله: فاسمع منّي! قال عتبة أفعلُ!
فجعل رسول اللّه صلى الله عليه و آله يقرأ من مفتتح سورة فصّلت:
«بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ. حم. تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ. كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ. بَشِيراً وَ نَذِيراً ...» فمضى صلى الله عليه و آله يقرأها عليه، وهو منصت لها.
قال: وكان عتبة ينصت لقراءته صلى الله عليه و آله وقد ألقى يديه خلف ظهره معتمدا عليهما يسمع منه، ثمّ انتهى رسول اللّه صلى الله عليه و آله إلى السجدة منها فسجد ثمّ قال: قد سمعت يا أباالوليد ما سمعت؟ فأنت وذاك!
فقام عتبة إلى أصحابه، فقال بعضهم لبعض: نحلف باللّه لقد جاءكم أبوالوليد بغير
[١] - سطة كعدة مصدر محذوف الفاء مأخوذ من الوسط بمعنى الشرف، يقال وسط في حسبه أي صار شريفا.
[٢] - الحلم: العقل.
[٣] - الرئي: ما يتراءى للإنسان من الجنّ.
[٤] - التابع: من يتبع الإنسان من الجنّ.