التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٦٦ - ٣ - إنما يعرف ذا الفضل من العلم ذووه
وأيضا:
|
وشعر كبعر الكبش فرّق بينه |
لسان دعيّ في القريض دخيل |
|
واستحسن أن يكون البيت بأسره كأنّه لفظة واحدة لخفّته وسهولته، واللفظة كأنّها حرف واحد، وأنشد قول الثقفي.
|
من كان ذا عضد يدرك ظلامته |
إنّ الذليل الذي ليست له عضد |
|
|
تنبو يداه إذا ماقلّ ناصره |
و يأنف الضيم إن أثرى له عدد[١] |
|
إذن فالنظم نظم، ووزنه وزن شعر، لكن شتّان ما بين النظمين، هذا عذب فرات، وذاك ملح اجاج، في هذا سهولة وفي ذاك وعورة. وهكذا القرآن، فاق سائر الكلام في عذوبة نظمه، وسهولة اسلوبه، في روعة وأناقة وجلال، وهذا من سرّ إعجازه الخارق.
وأمّا الدليل الذي أقاموه، من أنّ القادر على الأبعاض قادر على الجملة ... فقد أجاب عنه التفتازاني بأنّ حكم الجملة يخالف حكم الأجزاء، ولو صحّ ما ذكر لكان كلّ من آحاد العرب قادرا على الإتيان بمثل قصائد فصحائهم كامرئ القيس وأضرابه.
وأمّا تردّد الصحابة في بعض الآيات والسور، فلعلّه كان لرعاية الاحتياط والاحتراز عن أدنى ملابسة. على أنّ الإعجاز في جميع مراتبه وفي جميع الآيات، ليس ممّا يظهر لكلّ أحد على سواء ...[٢]
قوله: لو عارضوه بشعر منظوم لم يكونوا معارضين ...
هذا إذا كان التحدّي ناظرا إلى جانب النظم والأُسلوب فحسب، أمّا إذا كانت فضيلة الكلام هي الملحوظة في هذه المباراة، والمقصودة من تلك المباهاة، فهذا ممّا لايفترق فيه بين منظوم الكلام ومنثوره، شعره وخطبه، في أيّ صيغة بني عليها الكلام أو رصفت حروفه وكلماته، ما دامت العبرة بجودة التعبير وحسن الأداء، هذا ... ولا سيّما قد أُطلق التحدّي في القرآن إطلاقا: لويأتوا بحديث مثله ... أي في شرف الكلام وفضيلته. شعرا منظوما أو كلاما منثورا. أيّا كان نمطه إذا كان يماثله في الأبّهة والبهاء. ومع ذلك فقد كلّت
[١] - ينبو السيف: يكلّ ولا يكون قاطعا. وأثرى: كثر وتوفّر.
[٢] - شرح المقاصد، ج ٥، ص ٢٩.