التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٦٥ - ٣ - إنما يعرف ذا الفضل من العلم ذووه
ذكروا أنّ فصحاء قريش أزمعت على معارضة القرآن، فجمعت لها جمعها، حتّى إذا ما نزلت «وَ قِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ وَ يا سَماءُ أَقْلِعِي وَ غِيضَ الْماءُ وَ قُضِيَ الْأَمْرُ وَ اسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَ قِيلَ بُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ»[١] نظر بعضهم إلى بعض حيارى مذهولين. فقد يئسوا ممّا طمعوا فيه وعرفوا أنّه ليس بكلام مخلوق.[٢]
وبذلك تبيّن أن لاموضع لقوله: «جميع ما شهد به الفصحاء فواقع موقعه، إذ لاتنكر مزيّة القرآن على غيره، وإنّما هي ليست ممّا تخرق العادة»! إذ شهادتهم إنّما كانت بكونه فوق مستوى البشر، وأنّه ليس من كلام المخلوقين، وكفى به دليلًا على كونه معجزا خارقا للعادة، إذ لايقصد من الإعجاز سوى كونه فوق مقدور الإنسان، هذا لاغير!
قوله: والنظم لايصحّ فيه التزايد والتفاضل ...
ولعلّه على العكس فإنّ التفاضل في النظم والأُسلوب شيء معروف، وبذلك قد فاق شعر شاعر عتيد على شعر شاعر جديد، وكان أهل الصناعة المضطلعون بالرويّ والقصيد قد فاقوا في نظمهم على المبتدئين المتكلّفين، وكان الأُسلوب هو الذي أشال بهؤلاء وأطاح بهؤلاء!
قال أبوعثمان الجاحظ: أجود الشعر ما رأيته متلاحم الأجزاء، سهل المخارج، فتعلم بذلك أنّه أُفرغ إفراغا واحدا، وسبك سبكا واحدا، فهو يجري على اللسان كما يجري الدهان.
قال ابنرشيق: وإذا كان الكلام على هذا الأُسلوب الذي ذكره الجاحظ لذّ سمعه، و خفّ محتمله، وقرب فهمه، وعذب النطق به، وحلى في فم سامعه. فإذا كان متنافرا متباينا عسر حفظه، وثقل على اللسان النطق به، ومجّته المسامع فلم يستقرّ فيها منه شيء.[٣]
وأنشد الجاحظ:
|
وبعض قريض القوم أبناء علّة |
يكدّ لسان الناطق المتحفّظ |
|
[١] - هود ٤٤: ١١.
[٢] - العمدة، ج ١، ص ٢١١؛ و مجمع البيان، ج ٥، ص ١٦٥.
[٣] - العمدة، ج ١، ص ٢٥٧.