التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٣١ - ٧ - الشيخ محمد الحسين آل كاشف الغطاء ومسألة التحدي * * *
البلاد لإيناع تلك الثمرة المنضحة، وتربية أساطين تلك الصنعة الرائجة ... ولمّا دعاهم إلى تلك الدعوة المقدّسة، طغوا وبغوا عليه، وشقّ عليهم ذلك حتّى تخاوصوا بحماليق الحنق إليه.[١] وما تحدّاهم إلّا بالمألوف لهم، المأخوذ عنهم والمسوق إليهم، ولم يزل يلحّ عليهم بأنحاء شتّى وعبارات متفاوتة، حتى اعترف بالعجز عريفهم، وتلدّد تليدهم وطريفهم، وصقع مصاقعهم،[٢] وعاد لبيدهم بليدا، وشيبتهم وليدا، وقائمهم حصيدا، وعالمهم أباجهل، وسهيلهم على السهل، وعتبتهم أعتاهم، وأبولهبهم أخمدهم وأخزاهم، وعبد شمسهم آفلا، ونابغتهم خاملا، وحيّ أخطبهم ميّتا، وهشامهم مخزوما، ومخزومهم مهشوما، وسراتهم اسارى وكبّارهم من الصّغار صغارا ...
ثمّ قنع منهم بعشر سور من سوره المنزلة، ثمّ تنزّل معهم- وهو الرفيع- إلى أدنى منزلة، فقنع منهم بأن يأتوا بعشر آيات، رضي منهم بسورة واحدة ... فالتجأوا إلى مفاوضة الحتوف، عن معارضة الحروف، وعقلوا الألسنة والعقول، واعتقلوا الأسنّة والنصول.
ورضوا بكلم الجراح، عن الكلم الفصاح. وفرّوا إلى سعة آجالهم من ضيق مجالهم ... فما انجلت غبرة الضلال عن جبهة الحقّ إلّا وهم بأسرهم أسرى أو قتلى، إلى أن عادت كلمة اللّه هي العليا، وكلمة أعدائه هي السفلى ...
وهكذا ماتصدّى في الأزمنة المتأخّرة لمعارضته، إلّا مأفون الرأي، مايق العقل.[٣] ومن الأعاجيب أنّك ترى الرجل في جميع المقامات فارس يليلها[٤] حتّى إذا تصدّى- من ضعف في دينه، أو خور في عود يقينه، أو زندقة في هواه، أو وصم عهار في عصاه- إلى مقاومة ذلك المقام ومعارضة معجز ذلك النظام، أفحم وتبلّد، وأبكم وتلدّد[٥] هذا مسيلمة وسجاح من الأوّلين ... والمتنبّي والمعرّي وأضرابهم من الآخرين ... كلّ يزعم أنّه أتى بما
[١] - التخاوص: النظر الشزر. والحملقة: التحديق والنظر بشدّة.
[٢] - التلدّد: التحيّر. التليّد: الأصيل. والطريف: الحديث الشرف. صقع: صرع. والمصقع البليغ في خطابته.
[٣] - أفن: ضعف رأيه فهو أفين ومأفون. وماق الرجل: حمق في غباوة.
[٤] - يليل: اسم جبل معروف بالبادية، وموضع قرب وادي الصفراء من أعمال المدينة. وإليه نسب عمرو بنعبد ود: فارس يليل.
[٥] - تلدّد: تلجلج وأفحم عن التكلّم.