التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٢٨ - ٥ - محمد فريد وجدي ونظرته في التأثير الروحي للقرآن * * *
إعجاز القرآن، وقصور الإنس والجنّ عن الإتيان بمثله، وبقائه إلى اليوم معجزة خالدة تتلألأ في نورها الإلهي، وتتألّق في جمالها القدسيّ. ذلك لمّا كان القرآن روح من أمر اللّه، فلا جرم كانت له روحانيّة خاصّة، هي عندنا جهة إعجازه والسبب الأكبر لانقطاع الإنس والجنّ عن محاكاة أقصر سورة من سوره، وارتعاد فرائص الصناديد والجبابرة عند سماعه، وناهيك بروحانيّة الكلام الإلهي!
نعم أنّ جهة إعجاز هذا الكتاب الإلهي الأقدس هي تلك الروحانيّة العالية الّتي قلبت شكل العالم، وأكسبت تلك الطائفة القليلة العدد خلافة اللّه في أرضه، وأرغمت لهم معاطس الجبابرة والقساورة، ووطأت لهم عروش الأكاسرة والقياصرة ... «يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ».[١]
لامشاحة في أنّ القرآن فصيح قد أخرس بفصاحته فرسان البلاغة وقادة الخطابة وسادات القوافي وملوك البيان. وهو حكيم بهر سماسرة الحكمة والفلسفة وأدهش أساطين القانون والشريعة وحيّر أراكين النظام والدستور. وهو حقّ ألزم كلّ عال الحجة ودلّ كلّ باحث على الحجّة ولم يغادر صغيرة ولا كبيرة إلّا أحصاها. وهو هدىً ورحمة ونور وشفاء لما في الصدور.
كلّ هذه صفات جليلة تؤثر على العقل والشعور والعواطف والميول، فتتحكّم فيها تحكّم الملك في ملكه ولكنّه فوق ذلك كلّه (روح من أمر اللّه) تصل من روح الإنسان إلى حيث لاتصل إليه أشعة البلاغة والبيان، ولا سيالات الحكمة والعرفان، وتسري من صميم معناه إلى حيث لايحوم حوله فكر ولا خاطر، ولا يتخيّله خيال شاعر.
هذه الروحانيّة تنفذ إلى سرّ سريرة الإنسان وسويداء ضميره، وتستولي منها على أصل حياته، ومهبّ عواطفه وإحساساته، وتخلقه خلقا جديدا وتصوّره بصورة لايتخيّلها ولو قيلت له لما أدركها. ألا ترى كيف فعلت باولئك العرب الذين لبثوا الوفا من السنين على حالة واحدة لا يتحوّلون عنها ولا يسأمون منها، فنفختهم بروح عالية قاموا
[١] - غافر ١٥: ٤٠.