التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٢٦ - ٤ - مصطفى صادق الرافعي ونظرته في اسلوب القرآن الجداد * * *
خرجت فيه كانت أعذب شيء وأرقّه، وجاءت متمكّنة في موضعها، وكانت لهذا الموضع أولى الحركات بالخفّة والروعة.
من ذلك لفظ «النذر» جمع نذير، فإنّ الضمّة ثقيلة فيها لتواليها على النون والذال معا فضلًا عن جسأة هذا الحرف ونبوّه في اللسان، وخاصّة إذا جاءت فاصلة للكلام. فكلّ ذلك ممّا يكشف عنه ويفصح عن موضع الثقل فيه، ولكنّه جاء في القرآن على العكس وانتفى من طبيعته في قوله تعالى: «وَ لَقَدْ أَنْذَرَهُمْ بَطْشَتَنا فَتَمارَوْا بِالنُّذُرِ».[١] فتأمّل هذا التركيب وأنعم ثمّ أنعم على تأمّله، وتذوّق مواقع الحروف واجرِ حركاتها في حسّ السمع وتأمّل مواضع القلقلة في دال «لقد»، وفي الطاء من «بطشتنا»، وهذه الفتحات المتوالية فيما وراء الطاء إلى واو «تماروا»، مع الفصل بالمدّ، ثمّ اعجب لهذه الغنّة التي سبقت الطاء في نون «أنذرهم» وفي ميمها، وللغنّة الأُخرى التي سبقت الذال في «النّذر».
وما من حرف أو حركة في الآية إلّا وأنت مصيب من كلّ ذلك عجبا في موقعه والقصد به.
قال: إنّما تلك طريقةٌ في النظم قد انفرد به القرآن، وليس من بليغ يعرف هذا الباب إلّا وهو يتحاشى أن يلمّ به من تلك الجهة أو يجعل طريقه عليها، فإن اتفق له شيء منه كان إلهاما ووحيا، لاتقتحم عليه الصناعة ولا يتيسّر له الطبع بالفكر والنظر ... فلا يتهيّأ لأحد من البلغاء في عصور العربيّة كلّها من معارض الكلام وألفاظه، ما يتصرّف به هذا التصرّف في طائفة أو طوائف من كلامه، على أن يضرب بلسانه ضربا موسيقيا، وينظم نظما مطّردا.
فهذا إن أمكن أن يكون في كلام ذي ألفاظ، فليس يستقيم في ألفاظ ذات معان، فهو لغو من إحدى الجهتين. ولو أنّ ذلك ممكن لقد كان اتفق في عصر خلا من ثلاثة عشر قرنا، ونحن اليوم في القرن الرابع عشر من تاريخ تلك المعجزة.
... ثمّ أخذ في ضرب أمثلة من ألفاظ وكلمات كانت غريبة وثقيلة، لكنّها جاءت في القرآن في مواقعها الخاصّة أليفة وخفيفة في أبدع ما يكون وأروع ما يتصوّر، «كِتابٌ
[١] - القمر ٣٦: ٥٤.