التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٢٥ - ٤ - مصطفى صادق الرافعي ونظرته في اسلوب القرآن الجداد * * *
النفسيّة والأصوات الثلاثة هي:
١- صوت النفس، وهو الصوت الموسيقي الذي يكون من تأليف النغم بالحروف ومخارجها وحركاتها ومواقع ذلك من تركيب الكلام ونظمه ...
٢- صوت العقل، وهو الصوت المعنوي الذي يكون من لطائف التركيب في جملة الكلام ومن الوجوه البيانيّة التي يداور بها المعنى في أيّ جهة انتحى إليها.
٣- صوت الحسّ، وهو أبلغهنّ شأنا، لايكون إلّا من دقّة التصوّر المعنوي والإبداع في تلوين الخطاب، ومجاذبة النفس مرّة وموادعتها اخرى.
وعلى مقدار مايكون في الكلام البليغ من هذا الصوت، يكون فيه من روح البلاغة، بل صار كأنّه روح للكلام ذاته. يبادرك الروعة في كلّ جزء منه كما تبادرك الحياة في كلّ حركة للجسم الحيّ، كأنّه تمثيل بألفاظ لخلقة النفس، في دقّة التركيب وإعجاز الصنعة ...
... ولو تأمّلت هذا المعنى فضلًا من التأمّل، وأحسنت في اعتباره على ذلك الوجه، لرأيته روح الإعجاز في هذا القرآن الكريم ...
وأعجب شيء في أمر هذا الحسّ الذي يتمثّل في كلمات القرآن، أنّه لايسرف على النفس ولا يستفرغ مجهودها، بل هو مقتصد في كلّ أنواع التأثير عليها، فلا تضيق به ولا تنفر منه ولا يتخوّنها الملال، وهو يسوّغها من لذّتها ويرفّه عليها بأساليبه وطرقه في النظم والبيان.
... ولو تدبّرت ألفاظ القرآن في نظمها، لرأيت حركاتها الصرفيّة واللغويّة تجري في الوضع والتركيب مجرى الحروف أنفسها فيما هي له من أمر الفصاحة فيهيّئ بعضها لبعض، ويساند بعضا، ولن تجدها إلّا مؤتلفة مع أصوات الحروف، مساوقة لها في النظم الموسيقي. حتّى أنّ الكلمة ربّما كانت ثقيلة في نفسها لسبب من أسباب الثقل أيّها كان، فلا تعذب ولا تساغ و ربّما كانت أوكس النصيبين في حظّ الكلام من الحرف والحركة، فإذا هي استعملت في القرآن رأيت لها شأنا عجيبا، ورأيت أصوات الأحرف والحركات التي قبلها قد امتهدت لها طريقا في اللسان، واكتنفتها بضروب من النغم الموسيقي، حتّى إذا