التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٢٤ - ٤ - مصطفى صادق الرافعي ونظرته في اسلوب القرآن الجداد * * *
إنّما هو سبب في تنويع الصوت، بما يخرجه فيه مدّا أو غنّةً أو لينا أو شدّة، وبما يهيّئ له من الحركات المختلفة في اضطرابه وتتابعه على مقادير تناسب ما في النفس من اصولها. ثمّ هو يجعل الصوت إلى الإيجاز والاجتماع، أو الإطناب والبسط، بمقدار ما يكسبه من الحدوة والارتفاع والاهتزاز وبُعد المدى ونحوها، ممّا هو بلاغة الصوت في لغة الموسيقى.
... وهذه هي طريقة الاستهواء الصوتي في اللغة، وأثرها طبيعي في كلّ نفس، فهي تشبه في القرآن الكريم أن تكون صوت إعجازه الذي يخاطب به كلّ نفس تفهمه، وكلّ نفس لاتفهمه، ثمّ لايجد من النفوس على أيّ حال إلّا الإقرار والاستجابة ... وقد انفرد بهذا الوجه للعجز، فتألّفت كلماته من حروف لو سقط واحد منها أو ابدل بغيره أو اقحم معه حرف آخر، لكان ذلك خللًا بيّنا، أو ضعفا ظاهرا في نسق الوزن وجرس النغمة، وفي حسّ السمع وذوق اللسان، وفي انسجام العبارة وبراعة المخرج وتساند الحروف وإفضاء بعضها إلى بعض، ولرأيت لذلك هجنة في السمع ...
... وممّا انفرد به القرآن على سائر الكلام، أنّه لايخلق على كثرة الردّ وطول التكرار، ولا تملّ منه الإعادة، وكلّما أخذت فيه على وجهه ولم تخل بأدائه، رأيته غضّا طريّا وجديدا مونقا وصادفت من نفسك نشاطا مستأنفا وحسّا موفورا ... وهذا لعَمَرُ اللّه أمر يوسّع فكر العاقل ويملأ صدر المفكّر، ولا نرى جهة تعليله ولا نصحّح منه تفسيرا إلّا ما قدّمنا من إعجاز النظم بخصائصه الموسيقيّة، وتساوق هذه الحروف على اصول مضبوطة من بلاغة النغم، بالهمس والجهر والقلقلة والصفير والمدّ والغنّة ... على اختلاف أنحائها بسطا وإيجازا وابتداءً وردّا وإفرادا وتكريرا ...
... والكلمة في حقيقة وصفها إنّما هي صوت للنفس، لأنّها تلبّس قطعة من المعنى فتختصّ به على مناسبةٍ لحظتها النفس فيها حين فصّلت تركيب الكلام.
وصوت النفس أوّل الأصوات الثلاثة التي لابدّ منها في تركيب النسق البليغ، حتّى يستجمع الكلام بها أسباب الاتّصال بين الألفاظ ومعانيها، وبين هذه المعاني وصورها