التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٢٢ - ٤ - مصطفى صادق الرافعي ونظرته في اسلوب القرآن الجداد * * *
الخلود ...
... والكلام بالطبع يتركّب من ثلاثة: حروف هي من الأصوات، وكلمات هي من الحروف، وجمل هي من الكلم. وقد رأينا سرّ الإعجاز في نظم القرآن يتناول هذه كلّها ...
ولهذا النظم طريقة خاصّة اتّبعها القرآن الكريم كانت غريبة على العرب وفي نفس الوقت رائعة تستأنس إليها النفوس! إنّ طريقة النظم التي اتّسقت بها ألفاظ القرآن، وتألّفت لها حروف هذه الألفاظ إنّما هي طريقة يتوخّى بها إلى أنواع من المنطق وصفات من اللهجة لم تكن على هذا الوجه من كلام العرب، ولكنّها ظهرت فيه أوّل شيء على لسان النبيّ صلى الله عليه و آله فجعلت المسامع لاتنبو عن شيء من القرآن، ولا تلوي من دونه حجاب القلب، حتّى لم يكن لمن سمعه بدّ من الاسترسال إليه والتوفّر على الإصغاء، لايستمهله أمر من دونه وإن كان أمر العادة، ولا يستنسئه الشيطان وإن كانت طاعته عندهم عبادة، فإنّه إنّما يسمع ضربا خالصا من «الموسيقى اللغويّة» في انسجامه واطّراد نسقه واتّزانه على أجزاء النفس مقطعا مقطعا ونبرة نبرة كأنّها توقّعه توقيعا ولا تتلوه تلاوة.
وهذا نوع من التأليف لم يكن منه في منطق أبلغ البلغاء وأفصح الفصحاء إلّا الجمل القليلة التي إنّما تكون روعتها وصيغتها وأوزان توقيعها من اضطراب النفس الحاصل في بعض مقامات الحماسة أو الفخر أو الغزل أو نحوها فتنتزي بكلام تلفظه العاطفة أحيانا.
وكان العرب يترسّلون أو يحذمون[١] في منطقهم كيفما اتفق لهم لايراعون أكثر من تكييف الصوت، دون تكييف الحروف اللّهمّ إلّا بتعمّل يأتونه على نمط الموسيقى وهي غاية ماعرفوه من نظم الكلام.
فلمّا قرئ عليهم القرآن، رأوا حروفه في كلماته، وكلماته في جمله، ألحانا لغويّة رائعة، كأنّها لائتلافها وتناسبها قطعة واحدة، قراءتها هي توقيعها- (وكلّ الذين يدركون أسرار الموسيقى وفلسفتها النفسيّة- اليوم- لايرون في الفنّ العربي بجملته شيئا يعدل هذا التناسب الذي طبيعي في كلمات القرآن وأصوات حروفها، وما منهم من يستطيع أن يغتمز
[١] - الحذم في القراءة: الإسراع.