التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١١٨ - ٣ - محمد عبدالله دراز ونظرته في الجمال التوقيعي والتنسيقي للقرآن * * *
هو أروع وأبدع.
لانريد أن نحدّثك هاهنا عن معاني القرآن وماحوته من العلوم الخارجة عن متناول البشر، فإنّ لهذا الحديث موضعا آخر يجيء- إن شاء اللّه تعالى- في بحث الإعجاز العلمي وحديثنا الآن كما ترى في شأن الإعجاز اللغوي، وإنّما اللغة الألفاظ.
بيد أنّ هذه الألفاظ ينظر فيها تارة من حيث هي أبنية صوتيّة مادّتها الحروف وصورتها الحركات والسكنات من غير نظر إلى دلالتها ... وتارة من حيث هي أداة لتصوير المعاني ونقلها من نفس المتكلّم إلى نفس المخاطب بها، وهذه الناحية لاشك أنّها هي أعظم الناحيتين أثرا في الإعجاز اللغوي، إذ اللغات تتفاضل من حيث هي بيان، أكثر من تفاضلها من حيث هي أجراس وأنغام. والفضيلة البيانية إنّما تعتمد دقّة التصوير وإجادة التعبير عن المعنى كما هو، سواء كان ذلك المعنى حقيقة أو خيالًا، وأن يكون هدى أو ضلالًا، فقد كانت حكايات القرآن لأقوال المبطلين لاتقصر في بلاغتها عن سائر كلامه، لأنّها تصف ما في أنفسهم على أتمّ وجه.
انظر حيث شئت من القرآن الكريم، تجد بيانا قد قدّر على حاجة النفس أحسن تقدير، فلا تحسّ فيه بتخمة الإسراف ولا بمخمصة التقتير، يؤدّي لك من كلّ معنى صورة نقيّة وافية، نقيّة لايشوبها شيء ممّا هو غريب عنها، وافية لايشذّ عنها شيء من عناصرها الأصلية ولواحقها الكماليّة. كلّ ذلك في أوجز لفظ وأنقاه. ففي كلّ جملة منه جهاز من أجهزة المعنى، وفي كلّ كلمة منه عضو من أعضائه، وفي كلّ حرف منه جزء بقدره، وفي أوضاع كلماته من جمله، وأوضاع جمله من آياته سرّ الحياة الذي ينتظم المعنى بأداته.
وبالجملة ترى- كما يقول الباقلّاني- محاسن متوالية وبدائع تترى.
ضع يدك حيث شئت من المصحف، وعُدّ ما أحصته كفُّك من الكلمات عدّا، ثمّ أحص عدّتها من أبلغ كلام تختاره خارجا عن الدفّتين، وانظر نسبة ما حواه هذا الكلام من المعاني إلى ذاك، ثمّ انظر كم كلمة تستطيع أن تسقطها أو تبدّلها من هذا الكلام دون إخلال بغرض قائله؟ وأيّ كلمة تستطيع أن تسقطها أو تبدّلها هناك؟ فكتاب اللّه تعالى