ديوان الشريف الرضي - السيد الشريف الرضي - الصفحة ٥٥ - عزّ الغزو
و كم أنا وقّاف على كلّ منزل، # و كم أنا مرتاح إلى كلّ بارق
أحنّ إلى من لا يحنّ صبابة، # و ما واجد قلبا مشوق و شائق
و عندي من الأحباب كلّ عظيمة # تزهّد في قرب الضّجيع المعانق
تعطّلت الأحشاء من كلّ أنّة، # فلا القرب يضنيني و لا البعد شائقي
و ما في الغواني من سرور لناظر؛ # و لا في الخزامى من نسيم لناشق
رمى اللّه بي من هذه الأرض غيرها، # و قطّع من هذا الأنام علائقي
فكم فيهم من واعد غير منجز؛ # و كم فيهم من قائل غير صادق
يظنّون أنّ المجد فيمن له الغنى، # و أنّ جميع العلم فضل التّشادق
وفاء كأنبوب اليراع لصاحب، # و غدر كأطراف الرّماح الزّوالق
و لو لا ابن موسى لم يكن في زماننا # معاذ لجان، أو محلّ لطارق [١]
و لا دبّرت سمر القنا كفّ فارس، # و لا مدّ في رزق المنى باع رازق
تغمّدنا من كلّ أرض بنفحة، # و أمطرنا من كلّ جوّ بوادق [٢]
إذا همّ لم يبعد به زجر زاجر، # و إن ثار لم يعطف به نعق ناعق
و إن رام أملاك البلاد بفتكة، # مشى الذّلّ في تيجانها و المناطق
له العزّ و المجد التّليد وراثة، # و أخذا عن البيض الظّبى و السّوابق [٣]
و ما زال يلقى كلّ غبراء فخمة # تغالي بأطراف القنا و العقائق [٤]
و ما برحت في كلّ عصر سيوفه # مواضع تيجان الرّجال البطارق [٥]
يجرّدها مثل الأقاحي على الطّلى، # و يغمدها محمرّة كالشّقائق
تبلّغه أقصى الأماني رماحه، # و آراؤه، و الرّأي أمضى مرافق
[١] ابن موسى: كناية عن والد الشاعر-معاذ لجان: ملجأ لمستجير، و الجاني هو طالب الماء.
[٢] الوادق: الغيم الماطر.
[٣] التليد: القديم الموروث-البيض الظبى: السيوف القاطعة-السوابق:
الخيول.
[٤] تغالي، من غالى بالسهم: رمى به إلى أقصى غاية-العقائق: السيوف.
[٥] البطارق: القادة، و البطريق هو قائد الروم.