ديوان الشريف الرضي - السيد الشريف الرضي - الصفحة ١٦٢ - غنى نفسي
اللّيل أحمل ظهر أنت راكبه، # إنّ الصّباح لطرف و الدّجى جمل [١]
ولّى الشّباب و هذا الشّيب يطرده، # يفدي الطّريدة ذاك الطّارد العجل
ما نازل الشّيب في رأسي بمرتحل # عنّي، و أعلم أنّي عنه مرتحل
من لم يعظه بياض الشّعر أدركه # في غرّة حتفه المقدور و الأجل
من أخطأته سهام الموت قيّده # طول السّنين، فلا لهو و لا جذل
و ضاق من نفسه ما كان متّسعا، # حتّى الرّجاء، و حتّى العزم و الأمل
ما عفّتي في الهوى يوما بمانعتي # أن لا تعفّ بكفّيّ القنا الذّبل
و للرّجال أحاديث، فأحسنها # ما نمّق الجود لا ما نمّق البخل
و لا اقتحامي على الغارات يعصمني # من المنون، و لا ريث، و لا عجل
و ميتتي في النّوى و القرب واحدة، # إذا تكافأت الغايات و السّبل
يستشعر الطّرف زهوا يوم أركبه، # كأنّه بنجوم اللّيل منتعل
و الخيل عالمة ما فوق أظهرها # من الرّجال جبان كان أو بطل [٢]
أغرّ أدهم صبغ اللّيل صبغته، # تضلّ في خلقه الألحاظ و المقل
مناقل في عنان الرّيح جريته، # كأنّه قبس أو بارق عمل [٣]
قصير ما بين أولاه و آخره، # كأنّما العنق معقود بها الكفل
إذا الرّبيع كسا البيداء بردته، # ضافت ركابي وهاد الأرض و القلل
و الواردات مياه القاع سانحة # على جوانبها الحوذان و النّفل [٤]
و كالثّغور أقاحيها، إذا غربت # شمس النّهار، و ألقت صبغها الأصل
ورد و مرعى، إذا شاءت مشافرها، # مستجمعان، و لا كدّ و لا عمل
و غافلين عن العلياء قائدهم # في كلّ غيّ فتيّ العقل مكتهل
شنّوا الخضاب حذارا أن يطالبهم # بحلمه الشّيب، أو يقصيهم الغزل
[١] الطرف: الجواد الكريم و الخفيف.
[٢] كان: تأتي هنا فعلا تاما بمعنى حدث، وقع.
[٣] قبس: ضوء، شعلة-عمل: دائم.
[٤] الحوذان و النفل: من النبات.