ديوان الشريف الرضي - السيد الشريف الرضي - الصفحة ١٧٢ - موت الفتى خير له
شباب الفتى ليل مضلّ لطرقه، # و شيب الفتى عضب عليه صقيل
فما لون ذا قبل المشيب بدائم، # و لا عصر ذا بعد الشّباب طويل
و حائل لون الشّعر، في كلّ لمّة، # دليل على أنّ البقاء يحول
نؤمّل أن نروى من العيش، و الرّدى # شروب لأعمار الرّجال أكول
و هيهات ما يغني العزيز تعزّزّ # فيبقى، و لا ينجي الذّليل خمول
نقول: مقيل في الكرى لجنوبنا، # و هل غير أحشاء القبور مقيل [١]
دع الفكر في حبّ البقاء و طوله، # فهمّك، لا العمر القصير، يطول
و لا ترج أن تعطى من العيش كثرة، # فكلّ مقام في الزّمان قليل
و من نظر الدّنيا بعين حقيقة، # درى أنّ ظلاّ لم يزل سيزول
تشيّع أظعان إلى غير رجعة، # و تبكى ديار بعدهم و طلول
لما ذا تربّي المرضعات طماعة؛ # لما ذا تخلّى بالنّساء بعول [٢]
أ ليس إلى الآجال نهوي، و خلفنا # من الموت حاد لا يغب عجول؟
فمحتضر بين الأقارب، أو فتى # تشحّط ما بين الرّماح قتيل [٣]
إذا لم يكن عقل الفتى عون صبره، # فليس إلى حسن العزاء سبيل
و إن جهل الأقدار و الدّهر عاقل، # فأضيع شيء في الرّجال عقول
تغيّر ألوان اللّيالي، و تنمحي # به غرر معلومة و حجول
تعزّ، أمين اللّه، و استأنف الأسى، # ففي الأجر من عظم المصاب بديل
و ما هذه الأيّام إلاّ فوارس # تطاردنا، و النّائبات خيول
و إن زال نجم من ذؤابة هاشم، # فلا عجب، إنّ النّجوم تزول
مضى و الذي يبقى أحبّ إلى العلى، # و أهدى إلى المعروف حين ينيل
بقاءك نهوى وحده دون غيره، # فدع كلّ نفس ما سواك تسيل
و موت الفتى خير له من حياته، # إذا جاور الأيّام، و هو ذليل
[١] المقيل: النوم، القيلولة.
[٢] تخلّى: تنفرد في خلوة.
[٣] تشحّط: تضرج بالدم، اضطرب فيه.