ديوان الشريف الرضي - السيد الشريف الرضي - الصفحة ٥٠٥ - أ يعلم القبر
أ يعلم القبر
(الطويل)
مر الرضي أمام قبر إبراهيم بن هلال الصابي، في الجنينة ببغداد، فتذكر ما كان بينهما من صداقة و وضع هذه القصيدة.
أ يعلم قبر بالجنينة أنّنا # أقمنا به ننعى النّدى و المعاليا
حططنا، فحيّينا مساعيه أنّها # عظام المساعي لا العظام البواليا
مررنا به، فاستشرفتنا رسومه، # كما استشرف الرّوض الظّباء الجواريا
و ما لاح ذاك التّرب حتّى تحلّبت # من الدّمع أوشال ملأن المآقيا [١]
نزلنا إليه عن ظهور جيادنا، # نكفكف بالأيدي الدّموع الجواريا
و لمّا تجاهشنا البكاء و لم نطق # عن الوجد إقلاعا عذرنا البواكيا
أقول لركب رائحين: تعرّجوا # أريكم به فرعا من المجد ذاويا
ألمّوا عليه عاقرين، فإنّنا # إذا لم نجد عقرا عقرنا القوافيا
و حطّوا به رحل المكارم و العلى، # و كبّوا الجفان عنده و المقاريا [٢]
و لو أنصفوا شقّوا عليه ضمائرا، # و جزّوا رقابا بالظّبى لا نواصيا
وقفنا، فأرخصنا الدّموع، و ربّما # تكون على سوم الغرام غواليا
ألا أيّها القبر الذي ضمّ لحده # قضيبا على هام النّوائب ماضيا
هل ابن هلال منذ أودى كعهدنا # هلالا على ضوء المطالع باقيا
و تلك البنان المورقات من النّدى # نواضب ماء أو بواق كما هيا
فإن يبل من ذاك اللّسان مضاؤه، # فإنّ به عضوا من المجد باقيا
يجيب الدّواعي جائدا و مدافعا، # هناك مرمّ لا يجيب الدّواعيا [٣]
[١] الأوشال، جمع وشل: الماء القليل، و يعني هنا الدموع.
[٢] الجفان، جمع جفنة: القصعة-المقاري، جمع مقرى: إناء يقرى فيه الضيف.
[٣] مرم: ساكت.