ديوان الشريف الرضي - السيد الشريف الرضي - الصفحة ٣٩٣ - أسقى دموعي
أخيّ، من باع دنياه و زخرفها # بصونه، كان عندي غير مغبون
قالوا: أتقنع بالدّون الخسيس، و ما # قنعت بالدّون بل قنّعت بالدّون
إذا ظننّا و قدّرنا جرى قدر # بنازل غير موهوم و مظنون
أعجب لمسكة نفس بعد ما رميت # من النّوائب بالأبكار و العون [١]
و من نجائي، يوم الدّار، حين هوى # غيري و لم أخل من حزم ينجّيني
مرقت منها مروق النّجم منكدرا، # و قد تلاقت مصاريع الرّدى دوني [٢]
و كنت أوّل طلاّع ثنيّتها، # و من ورائي شرّ غير مأمون
من بعد ما كان ربّ الملك مبتسما # إليّ، أدنوه في النّجوى و يدنيني
أمسيت أرحم من أصبحت أغبطه، # لقد تقارب بين العزّ و الهون
و منظر كان بالسّرّاء يضحكني، # يا قرب ما عاد بالضّرّاء يبكيني
هيهات أغترّ بالسّلطان ثانية، # قد ضلّ ولاّج أبواب السّلاطين
ما للحمام غدا، فاعتام زافرتي، # و اختار ما كان يعطيني و يمطيني [٣]
خلّى عليّ مرارات الحيا، و مضت # أحداثه بالمطاعيم المطاعين
يشجّعون عليّ الدّهر إن جبنت # خطوبه، و توقّى أن يناديني
إذا رأوا مدّه نحوي يدا وضعوا # فيها عظام جلاميد لترميني
أقارب لم يزل بي شرّ عرقهم، # عرق من اللّؤم يعديهم و يعدوني
تملّحوا بي كأنّي حمضة قطعت، # لا بدّ بعد مدى أن يستمرّوني [٤]
عزوا إليّ نصابا بعد تشظية، # و ألصقوا بي أديما بعد تعييني [٥]
هبوا أصولكم أصلي على مضض، # ما تصنعون بأخلاق تنافيني؟
أعطاكم السّجل قبل النّهر غرفته، # فارضوا بروق جمامي و استجمّوني [٦]
[١] المسكة: الرأي، العقل الوافر، و مسكة النفس أيضا: البقية منها.
[٢] المنكدر: المنقض.
[٣] اعتام: اختار-زافرتي: عشيرتي-يمطيني: يركبني الدابة.
[٤] الحمضة: المالح و المر من النبات-يستمروني: يستمرءوني أي يستسيغوني.
[٥] التشظية: التفريق.
[٦] السّجل: الدلو العظيمة.