دانشنامه اميرالمؤمنين بر پايه قرآن، حديث و تاريخ - محمدی ریشهری، محمد - الصفحة ٢٣٤ - ١٣/ ٢ نامه امام به فرزندش حسن در حاضرين
يَنجو مِنهُ هارِبُهُ، ولابُدَّ أنَّهُ مُدرِكُهُ، فَكُن مِنهُ عَلى حَذَرٍ أن يُدرِكَكَ و أنتَ عَلى حالٍ سَيِّئَةٍ، قَد كُنتَ تُحَدِّثُ نَفسَكَ مِنها بِالتَّوبَةِ فَيَحولَ بَينَكَ وبَينَ ذلِكَ، فَإِذا أنتَ قَد أهلَكتَ نَفسَكَ.
يا بُنَيَّ، أكثِر مِن ذِكرِ المَوتِ، وذِكرِ ما تَهجُمُ عَلَيهِ، وتُفضي بَعدَ المَوتِ إلَيهِ، حَتّى يَأتِيَكَ وقَد أخَذتَ مِنهُ حِذرَكَ، وشَدَدتُ لَهُ أزرَكَ، ولا يَأتِيَكَ بَغتَةً فَيَبهَرَكَ. وإيّاكَ أن تَغتَرَّ بِما تَرى مِن إخلادِ أهلِ الدُّنيا إلَيها، وتَكالُبِهِم عَلَيها، فَقَد نَبَّأَكَ اللّهُ عَنها، ونَعَت لَكَ نَفسَها، وتَكَشَّفَت لَكَ عَن مَساويها، فَإِنَّما أهلُها كِلابٌ عاوِيَةٌ، وسِباعٌ ضارِيَةٌ، يَهِرُّ بَعضُها بَعضا، ويَأكُلُ عَزيزُها ذَليلَها، ويَقهَرُ كَبيرُها صَغيرَها. نَعَمٌ مُعَقَّلَةٌ، واخرى مُهمَلَةٌ، قَد أضَلَّت عُقولَها ورَكِبَت مَجهولَها. سُروحُ عاهَةٍ بِوادٍ وَعثٍ[١]، لَيسَ لَها راعٍ يُقيمُها، ولا يُسيمُها. سَلَكَت بِهِمُ الدُّنيا طَريقَ العَمى، و أخَذَت بِأَبصارِهِم عَن مَنارِ الهُدى، فَتاهوا في حَيرَتِها، وغَرِقوا في نِعمَتِها، وَاتَّخَذوها رَبّا، فَلَعِبَت بِهِم ولَعِبوا بِها ونَسوا ماوَراءَها.
رُوَيدا يُسفِرُ الظَّلامُ، كَأَن قَد وَرَدَتِ الأَظعانُ، يوشِكُ مَن أسرَعَ أن يَلحَقَ! وَاعلَم أنَّ مَن كانَت مَطِيَّتُهُ اللَّيلَ وَالنَّهارَ فَإِنَّهُ يُسارُ بِهِ وإن كانَ واقِفا، ويَقطَعُ المَسافَةَ وإن كانَ مُقيما وادِعا.
وَاعلَم يَقينا أنَّكَ لَن تَبلُغَ أمَلَكَ ولَن تَعدُوَ أجَلَكَ، و أنَّكَ في سَبيلِ مَن كانَ قَبلَكَ. فَخَفِّض فِي الطَّلَبِ، و أجمِل فِي المُكتَسَبِ فَإِنَّهُ رُبَّ طَلَبٍ قَد جَرَّ إلى حَرَبٍ، فَلَيسَ كُلُّ طالِبٍ بِمَرزوقٍ، ولاكُلُّ مُجمِلٍ بِمَحرومٍ. و أكرِم نَفسَكَ عَن كُلِّ دَنِيَّةٍ وإن ساقَتك
[١] الوَعْث: وهو الرَّمْلُ، والمشيُ فيه يَشْتدّ على صاحبه ويَشُقُّ( النهاية: ج ٥ ص ٢٠٦« وعث»).