مصابيح الأحكام - السيّد محمّد مهدي الطباطبائي بحر العلوم - الصفحة ٣٣٠ - الجواب عن حجّة القول بالوجوب
وقد قال في موضع آخر: إنّ الوجوب عندنا ضربان[١]، وليس المراد أنّه من الألفاظ المشتركة، بل الغرض مجرّد ثبوت الاستعمال وإمكان الحمل والتنزيل مع وجود الدليل.
ويدلّ على ما قلناه اتّفاق الأصحاب قديماً وحديثاً على الاستدلال بالوجوب والسنّة على المعنيين المعروفين في جميع المسائل الخالية من المعارض، كما يرشد إليه تتبّع كتب الاستدلال، وإنّما يذكرون غيرهما إذا وجد معارض من نصّ أو إجماع، على أنّ الأدلّة هنا ليست مقصورة على لفظ الوجوب، بل الدلالة من وجوه متعدّدة قد أشرنا إليه آنفاً[٢]، ومنها مثل قوله ٧: «على الرجال والنساء»[٣]، وقوله: «عليهنّ»[٤]. ولايتأمّل أحد في دلالته على الوجوب، كما في قوله (وَللهِ عَلى النَّاسِ حِجُّ البَيْتِ)[٥]، وقد ورد ذلك في جملة من أخبار هذا الباب مجرّداً عن المتعلّق، ومتعلّقاً بالوجوب، وذكر الوجوب لا يخرجه عن الدلالة عليه، كما هو ظاهر.
والغرض من هذا التطويل التنبيه على وهن ما اتّفق لكثير من المتأخّرين هنا[٦]، حيث أقدموا على منع الدلالة في لفظ الوجوب والسنّة، وبنوا ترجيح الندب على
[١]. تهذيب الأحكام ٢ : ٤٣ ، باب أوقات الصلاة ، ذيل الحديث ٨٣ / ١٣٢ ، وفيه : «الوجوب على ضروب عندنا ، منها ما يستحقّ بتركه العقاب ، ومنها ما يكون الأولى فعله ولا يستحقّ الإخلال به العقاب ، وإن كان يستحقّ به ضرب من اللوم والعتب » .
[٢]. كالإلزام بـ «على» ، والأمر بالغُسل ، والنهي عن تركه ، وتفسيق التارك وأمره بالاستغفار ، وغير ذلك ممّا تقدّم ذكره في الصفحة ٣٢٦ .
[٣]. ورد في رواية منصور بن حازم المتقدّمة في الصفحة ٣٢١ .
[٤]. ورد في رواية عليّ بن يقطين ، المذكورة في الصفحة ٣٢٢ ـ ٣٢٣ .
[٥]. آل عمران (٣) : ٩٧ .
[٦]. راجع : الصفحة ٣٢٨ .