مصابيح الأحكام - السيّد محمّد مهدي الطباطبائي بحر العلوم - الصفحة ٥١٧ - الثانية ما رواه الكليني في باب الغناء من كتاب الزيّ والتجمّل
فكان بعضها أعظم من بعض، مع أنّه ٧ في مقام الردع والزجر ويناسبهما التعظيم والتهويل. وقد يتّفق مثله في مقام التنزيه فضلا عن التحريم، ولو كانت المعصية الحاصلة منه كبيرة لكان المفهوم من الحديث هو الإصرار على الكبيرة، فإنّه ٧ قال: «لأنّك كنت مقيماً على أمر عظيم»، ومقتضاه ثبوت العِظَم في أصل الفعل، وتعليل الغُسل بالإصرار عليه، ولاقائل باختصاص الغسل بالإصرار على الكبيرة.
ومع ذلك ففي الحديث شواهد على العموم، كقوله ٧: «أما سمعت الله يقول: (اِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفؤَادَ كُلُّ أُولئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولا)[١]»، وقوله: «واسأله التوبة من كلّ ما يكره»، وقوله: «فإنّه لا يكره إلاّ القبيح، والقبيح دعه لأهله».
وليس الغرض من ذلك عدم تبعيض التوبة، كما ذهب إليه بعض المتكلّمين[٢]، فإنّ الحقّ أنّها تتبعّض كما حُقِّق في محلّه، بل الغرض الأمر بالتوبة من كلّ ذنب، سواءٌ في ذلك استماع الغناء وغيره، والكبائر من الذنوب وصغائرها، فيثبت الغسل في الجميع كما يقتضيه التعليل والتذييل.
وأمّا ما قيل من أنّ الصغائر مكفّرة بترك الكبائر[٣]، استناداً إلى ظاهر قوله تعالى : (إنْ تَجْتَنِبوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ)[٤]، فليس على ما ينبغي; فإنّ التوبة عن الذنوب كلّها واجبة، كبيرةً كانت أو صغيرةً، والصغيرة بترك التوبة تصير كبيرة إلاّ مع الغفلة أو النسيان، فتكفّر بترك الكبائر، وعليه تحمل الآية.
[١]. الإسراء ( ١٧ ) : ٣٦ .
[٢]. نسبه الشيخ المفيد في أوائل المقالات : ٨٦ ، إلى أبي هاشم الجبائي .
[٣]. قاله الفاضل المقداد في كنز العرفان ٢ : ٣٧٢ ، والشهيد الثاني في مسالك الأفهام ١٤ : ١٦٦ ، والمحقّق الأردبيلي في مجمع الفائدة والبرهان ١٢ : ٣١٩ ، وغيرهم .
[٤]. النساء (٤) : ٣١ .