مصابيح الأحكام - السيّد محمّد مهدي الطباطبائي بحر العلوم - الصفحة ٣٢٩ - الجواب عن حجّة القول بالوجوب
الشارع ولم يعلم تجدّد الوضع بعده، ولفظ «الوجوب» من هذا القبيل، وكذا «السنّة». ولو حصل التردّد في الخطابات النبويّة فلا ريب في ثبوت الوضع في زمان الأئمّة:، فإنّه من زمان المتشرّعة، وقد تقرّرت فيه الاصطلاحات من العامّة والخاصّة، وكان بدوّ الخلاف في الحقيقة الشرعيّة من ذلك الوقت، كما يشهد به كتب الأُصول حيث نسب الخلاف فيها إلى كثير من القدماء، ولو نوزع في «الوجوب» و«السنّة» لأمكن النزاع في «التحريم» و«الندب» و«التطوّع» و«النفل»، ونحو ذلك; فإنّ الطريق في جميعها واحد، مع أنّهم لا يرتابون في كثير من تلك الألفاظ.
نعم، قد يستعمل كلّ منها في خلاف معناه الحقيقي لداع أو صارف، كما هو الشأن في جميع الحقائق، فإنّ استعمالها في المعاني المجازيّة أكثر من أن تحصى حتّى قيل: إنّ أكثر اللغة المجازات[١].
قال الشيخ بعد الاستدلال بأحاديث الوجوب على الندب: «فإن قيل: كيف تستدلّون بهذه الأخبار وهي تتضمّن أنّ غسل الجمعة واجب، وعندكم أنّه سنّة ليس بفريضة؟ قلنا: ما تتضمّن هذه الأخبار من لفظ الوجوب فالمراد به أنّ الأولى فعله، وقد يسمّى الشيء واجباً إذا كان الأولى فعله»[٢].
ثمّ استدلّ على ذلك بصحيحتي زرارة، وعليّ بن يقطين، وغيرهما ممّـا يدلّ على الندب[٣]، ومقتضاه الاعتراف بكون الوجوب ظاهراً في المعنى المعروف، وإن صرف عنه صارف في هذه الروايات.
[١]. نسبه في مدارك الأحكام ١ : ٧١ ، إلى بعض محقّقي أهل اللغة ، وعدّه الوحيد البهبهاني من المسلّمات في مصابيح الظلام ٥ : ٥٣٤ .
[٢]. التهذيب ١ : ١١٧ ، باب الأغسال المفترضات والمسنونات ، ذيل الحديث ٢٦ / ٢٩٤ . وفيه : «فالمراد به أنّ الأولى على الإنسان أن يفعله » .
[٣]. وقد تقدّم ذكرها في الصفحة ٣١٠ و ٣١١ .