الحبل المتين في إحكام أحكام الدين - الشیخ البهائي - الصفحة ٢٤٣ - معنى القبلة و الاستقبال و علاماتها
قال شيخنا طاب ثراه في الذّكرى: إن أكثر أمارات القبلة مأخوذ من علم الهيئة، و هي مفيدة للظنّ الغالب بالعين و القطع بالجهة[١]، انتهى.
و أمّا ما زعمت من أنّ شيئا من كلامهم لا يفيد علما و لا ظنّا فبعيد عن جادّة الإنصاف جدّا.
و كيف لا يفيد شيء من كلامهم علما و لا ظنّا و قد ثبت أكثره بالدّلائل الهندسيّة و البراهين المجسّطيّة[٢] الّتي لا يتطرّق إليها سوء[٣] شبهة، و لا يحوم حولها و صمة ريب، كما هو ظاهر على من له دراية في ردّ فروع ذلك العلم الشّريف إلى أصوله؟
و أمّا قولك: إنّه لا وثوق لك بإسلامهم فضلا عن عدالتهم، فكيف يجوّز ذلك[٤] التّعويل على كلامهم قبل تيقّن مضمونه؛ فكلام عار عن حلية السّداد؛ إذ اليقين غير شرط.
و رجوع الفقهاء فيما يحتاجون إليه من كلّ فنّ إلى علماء ذلك الفنّ، و تعويلهم على قواعدهم- إذا لم تكن مخالفة لقانون الشّرع- شائع ذائع معروف فيما بينهم خلفا عن سلف، كرجوعهم في مسائل النّحو إلى النّحاة، و في مسائل اللّغة إلى اللّغويين، و في مسائل الطّبّ إلى الأطبّاء، و في مسائل المساحة[٥] و الجبر و المقابلة و الخطأين و ما شاكلها إلى أهل الحساب من غير بحث عن عدالتهم و فسقهم، بل يأخذون عنهم تلك المسائل مسلّمة، و يعملون بها من دون نظر في دلائلهم الّتي أدّتهم إليها؛ لحصول الظّنّ الغالب بأنّ الجمّ الغفير من الحذّاق في صناعة من الصّناعات إذا اتّفقت كلمتهم
[١]. الذكرى ٣: ١٦٢.
[٢]. المجسّطي: موسوعة فلكيّة برهانيّة ألّفها بطليموس باللّغة اليونانيّة و عرّبت أكثر من مرّة.
[٣]. في ح: شوب.
[٤]. في س: لك.
[٥]. في س: المساحات