عيون مسائل النفس - حسن زاده الآملي، الشيخ حسن - الصفحة ٥٣٠ - لز - و من تلك العيون الفائقة ان علم النفس بالصور مطلقا ليس على سبيل القبول و الانفعال كما يتفوه به المشاء , بل إنما هو بفعل النفس فى مرتبة من مراتبها , و فى مرتبة أخرى طور آخر وراء هذا الطور أى أنها فى مرتبة مظهر و أخرى مظهر و الاول بالنسبة الى ما هى فائقة عليه , و الثانى بالنسبة الى ما هو فائق عليها
النفسانى مجردة عن المادة الخارجية حاضرة عند النفس المدركة قائمة بها قيام الفعل بفاعله لا قيام المقبول بقابله . و البرهان عليه يستفاد مما برهنا به على اتحاد العقل بالمعقول فانه بعينه جار فى جميع الادراكات الحسية و الخيالية و الوهمية .
و قد نبهنا على هذا المطلب فى مباحث العقل و المعقول و قلنا ان الاحساس مطلقا ليس كما هو المشهور من عامة الحكماء ان الحس يجرد صورة المحسوس بعينه من مادته و يصادفها مع عوارضها المكتنفة , و كذا الخيال يجردها تجريدا اكثر , لما علم من امتناع أنتقال المنطبعات , بل الادراكات مطلقا انما تحصل بأن يفيض من الواهب صورة أخرى نورية ادراكية يحصل بها الادراك و الشعور فهى الحاسة بالفعل و المحسوسة بالفعل و اما وجود صورة فى مادة فلا حس و لا محسوس إلا أنها من المعدات لفيضان تلك الصورة مع تحقق الشرائط و قد نص على ما اخترناه فى الابصار الفيلسوف المعظم فى كتابه المعروف باثولوجيا .
و كذا نص بما اختاره فى آخر الموقف السادس من آلهيات الأسفار [١] حيث قال([ : ايضاح عرشى , اعلم أن حقيقة الابصار ليست كما هو المشهور و فهمه الجمهور انه إما بانطباع شبح المرئى فى العضو و الجليدى و انفعاله عنه كما قاله الطبيعيون , و لا بخروج الشعاع على هيأة مخروط بين العين و المرئى سواء كان الشعاع جسما موجودا فى الخارج أو شيئا آخر , و لا كما اختاره الشيخ المقتول من أن للنفس بواسطة البدن و وضعه بالقياس الى الصورة المادية يقع علم حضورى لتلك الصورة المادية . اذ الكل باطل عندنا كما فصل فى مقامه : بل حقيقة الابصار عندنا هى انشاء النفس صورة مثالية حاضرة عندها فى عالم التمثل مجردة عن المادة الطبيعية , و نسبة النفس اليها نسبة الفاعل المنشى للفعل الى ذلك الفعل , لا نسبة القابل المستكمل بكمال الى ذلك الكمال . و إنما الحاجة فى الابصار الى وجود هذه الالة العضوية , و الى وجود الصورة الطبيعية , و وضع مخصوص بينهما , و عدم امر حاجز بينهما , و غير ذلك من الشرائط , ليست لأن مطلق الابصار لا يتحقق إلا بهذه الشرائط و إلا لما يتحقق الابصار فى حالة النوم او نحوه , بل تلك لأجل أن النفس فى أوائل الفطرة ضعيفة الوجود , غير مستغنية القوام فى وجودها عن مادة بدنية , و كذا فى ادراكاتها . فكما أن وجودها غير وجود البدن و إن افتقرت اليه فى الوجود , فكذلك ادراكها البصرى ليس بهذا العضو و ان افتقرت إليه فى الابصار . و كما أن لها أن تستغنى عن هذا البدن الطبيعى عند استكمالها
[١] المصدر , ط ١ وج ٢٣ , ص ٩٩ .