عيون مسائل النفس - حسن زاده الآملي، الشيخ حسن - الصفحة ٤٢٦ - كج - و من تلك العيون المنيرة ادراك النفس حقائق الأشياء
بأسباب إلهية لا مدخل للعبد فيها و لا اختيار له . و لذا قيل( : كن مع الله كما كنت حتى كان معك كما كان) .
و إذا وصل إلى مقام البلوغ وكله الله إلى اختياره , و نبهه على خيره و شره على ألسنة خلفائه الظاهرة و الباطنة , و أعانه على اختياره الخير , و خذله فى اختياره الشر . فان ساعده التوفيق و تداركه جذبة من جذبات الرحمن و هى خير من عبادة الثقلين , استراح من تعب السلوك و رفع القلم عنه و صار من الشيعة الذين رفع القلم عنهم , و إن وكله الله إلى نفسه و خذله باختياره الشقاء التحقق بالشياطين , و إن وفقه الله للسلوك اليه باختياره الخير و التقوى من الشر فاما أن يسلك بقدم نفسه و يتعب نفسه فى السلوك اليه .
و بعبارة أخرى إما أن يعبد الله مع بقاء حكم النفس عليه و فى قيود أنانيته و يسمى تقربه حينئذ تقرب النوافل , و هذا و إن أتعب نفسه فى السلوك و العبادة و جاهد غاية المجاهدة لم يكن له شأنية المشاهدة و المواصلة و ليس له إلا الفرقة و المباعدة . أو يسلك إلى الله و يعبد الله من غير بقاء حكم النفس و أثرها عليه و يسمى تقربه بقرب الفرائض , و هذا لخروجه من حدود نفسه و قيودها و ارتفاعه عن حجاب إنيته له شأنية المواصلة و المشاهدة , بل يصير هو الشاهد و المشهود فى كل شاهد و مشهود و البصير و المبصر و السميع و المسموع .
و الأول و إن كان مستريحا من تعب السلوك ملتذا بلذة الشهود , و الها فى المحبوب ليس له كمال مقام الجمع و التجمل بالأعوان و الجنود . و الثانى و إن كان له جمعية وسعة و تجمل ليست له لذة المشاهدة و السرور الأتم فهما ناقصان كل بوجه . و الثالث له الكمال الأتم و السرور الأبهى و الجمال الأجمل لجمعه بين كمال الشهود و التجمل بالأعوان و الجنود و له الخلافة الكبرى و الرياسة العظمى .
إذا عرفت ذلك فقس قوله - تعالى - : ( و لما جاء موسى لميقاتنا و كلمه ربه قال رب أرنى انظر إليك قال لن ترانى) [١] إلى قوله تعالى - : ( سبحان الذى أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الاقصى الذى باركنا حوله لنريه من آياتنا أنه هو السميع البصير) [٢] , حتى تعرف مقام محمد - صلى الله عليه و آله و سلم - . فى العبادة و السلوك , و مقام موسى - عليه السلام - و تعرف أن موسى - عليه السلام - سلك بقدم نفسه لا بربه , و لذلك كان مستحقا لجواب لن ترانى , و أن محمد ( ص ) سار بأسراء ربه لا بسير نفسه . و ان محمد ( ص ) هو السميع لكل
[١] الاعراف : ١٤٣ .
[٢] الاسراء : ١ .