عيون مسائل النفس - حسن زاده الآملي، الشيخ حسن - الصفحة ١٩٩ - البرهان الثالث
البرهان الثانى :
هو أن الانسان إذا كان متهما فى أمر من الأمور فانه يستحضر ذاته حتى أنه يقول : إنى فعلت كذا و فعلت كذا , و فى مثل هذه الحالة يكون غافلا عن جميع أجزاء بدنه , و المعلوم بالفعل غير ما هو مغفول عنه , فذات الانسان مغائرة للبدن .
البرهان الثالث :
هو أن الانسان يقول : أدركت الشى ء الفلانى ببصرى فاشتهيته , أو غضبت منه , و كذا يقول : أخذت بيدى , و مشيت برجلى , و تكلمت بلسانى , و سمعت باذنى , و تفكرت فى كذا و توهمته و تخيلته , فنحن نعلم بالضرورة أن فى الانسان شيئا جامعا يجمع هذه الادراكات و يجمع هذه الأفعال , و نعلم أيضا بالضرورة أنه ليس شى ء من أجزاء هذا البدن مجمعا لهذه الادراكات و الأفعال , فانه لا يبصر بالأذن و لا يسمع بالبصر و لا يمشى باليد و لا يأخذ بالرجل , ففيه شى ء مجمع لجميع الادراكات و الأفاعيل الالهية , فاذن الانسان الذى يشير إلى نفسه بـ( أنا) مغائر لجملة أجزاء البدن , فهو شى ء وراء البدن .
ثم نقول : إن هذا الشى ء الذى إنه هوية الانسان و مغائر لهذه الجثة لا يمكن أن يكون جسما و لا جسمانيا , لأنه لو كان كذلك لكان أيضا منحلا سيالا قابلا للكون و الفساد بمنزلة هذا البدن , فلم يكن باقيا من أول عمره إلى آخره فهو إذن جوهر فرد روحانى , بل هو نور فائض على هذا القالب المحسوس بسبب استعداده و هو المزاج الانسانى . و إلى هذا المعنى أشير فى الكتاب الالهى بقوله : ( فاذا سويته و نفخت فيه من روحى) [١] فالتسوية هو جعل البدن بالمزاج الانسى مستعدا لأن تتعلق به النفس الناطقة , و قوله : ( من روحى) إضافة لها إلى نفسه لكونها جوهرا روحانيا غير جسم و لا جسمانى . فهذا ما أردنا أن نذكره فى هذا الفصل .
أقول : الرسالة المذكورة وجيزة عزيزة قد طبعت مع ثلاث رسائل أخرى للشيخ فى معرفة النفس فى قاهرة مصر ١٣٧١ هـ بتحقيق الدكتور أحمد فؤاد الأهوانى و تقديمه اليها . و قال فى مقدمة هذه الرسالة ما هذا لفظه([ : نشر هذه الرسالة الدكتور محمد ثابت إلفندى ,
[١] الحجر : ٢٩ .