عيون مسائل النفس - حسن زاده الآملي، الشيخ حسن - الصفحة ٤٢٨ - كج - و من تلك العيون المنيرة ادراك النفس حقائق الأشياء
اصلا .
و ثانيهما أن لا يعلم الأشياء من الأشياء , بل يعلم بمباديها و اسبابها فيعلم اوائل الوجود و ثوانيها و هكذا الى أن ينتهى إلى الجزئيات علما واحدا و عقلا بسيطا محيطا بكليات الأشياء و جزئياتها على وجه عقلى غير متغير فمن عرف المبدء الأول بصفاته اللازمة و عرف انه مبدء كل وجود و فاعل كل فيض وجود عرف اوائل الموجودات عنه و ما يتولد عنها على الترتيب السببى و المسببى كما يتولد مراتب العدد من الواحد على الترتيب , و ما من شى ء من الأشياء يوجد إلا و قد صار من جهة ما يكون واجبا بسببه و سبب سببه إلى أن ينتهى اليه تعالى , فيكون هذه الأسباب بمصادماتها تتأدى إلى أن يوجد عنها الامور الجزئية .
و هذا النحو من العلم أنما يحصل لانسان فارقت نفسه الأوطان و المواد و المتعلقات و هاجر الى الله - تعالى - كما قال عيسى - عليه السلام - : ( إنى مهاجر إلى ربى سيهدين)
. فاذا ارتقى الى عالم الربوبية و افاض عليه من نوره صار عقله للأشياء عقلا بسيطا يعقل الأشياء بعلم الله الفائض عليه فيكون مدركا للأمور الجزئية من حيث دائمة كلية , و من حيث لا كثرة و لا تغير فيه , و نسبة علمه بالأشياء الى سائر العلوم كنسبة القوة الباصرة الى ادراك اجزاء المبصرات بابصار واحد , فما وقع عليه سهم الشعاع البصرى يكون اولا و بالذات و هو اصدق رؤية , ثم ما يليه و ما يلى يليه و هكذا الى الأطراف , فهكذا حال علم الأنبياء و الأولياء - عليهم السلام - بالأشياء فان العالم كله كشخص متصل اجزاؤه بعضها ببعض , و علمهم بها كشعور النفس بجميع أجزاء بدنها علما واحدا متفاوتا على ترتيب الأقرب فالأقرب و الألطف فانها شاعرة بذاتها اولا , و بواسطة شعورها بذاتها تشعر ما يقرب ذاتها من القوى و الأرواح الكامنة فى القلب الذى هو مثال العرش , و الدماغ الذى هو مثال الكرسى , ثم بواسطتها الأعضاء اللطيفة و البسيطة ثم المركبة على ترتيب الألطف فالألطف حتى ينتهى الى الجلد و الشعر و الأظفار , كل ذلك بعلم واحد بسيط , و لو اردنا بيان تفصيل ذلك الشعور و العلم الذى لها بأجزاء بدنها و قواها و مشاعرها لما يسع له المجلدات , بل لأدى ذلك الى غير متناه من العلوم .
و بالجملة من عرف كيفية علم الله - تعالى - و علم مقربيه من الملائكة بالأشياء الجزئية الكائنة الفاسدة المتعاقبة فى الكون علما كليا ثابتا دائما من غير تغير و زوال و لا استحالة و انتقال و ان كانت المعلومات جزئية كائنة مستحيلة زمانية متجددة فى انفسها