عيون مسائل النفس - حسن زاده الآملي، الشيخ حسن - الصفحة ٤٢٩ - كج - و من تلك العيون المنيرة ادراك النفس حقائق الأشياء
و بقياس بعضها الى بعض , أمكنه أن يعلم حينئذ كيفية علم الأنبياء و الأولياء الكاملين عليهم السلام بأحوال الموجودات الماضية و المستقبلة و علم ما كان و ما سيكون الى يوم القيمة علما كليا ثابتا غير متجدد بتجدد المعلومات و لا متكثر بتكثرها , و عند ذلك يعرف معنى قوله تعالى : ( و نزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شى ء) [١] و يصدق بأن جميع العلوم و المعانى فى القرآن الكريم عرفانا حقيقيا و تصديقا يقينيا على بصيرة لا على وجه تقليد أو سماع أو ما يجرى مجريهما إذ ما من امر من الأمور إلا و هو مذكور فى الكتاب إما بنفسه أو بمقوماته و اسبابه و مباديه و غاياته , و قد علمت ان العلم بسبب الشى ء يوجب العلم به , بل العلم الحقيقى بالمعلول ذى السبب لا يحصل إلا من جهة العلم بسببه , و لهذا ليس الاحساس بالشى ء و لا التجربة أو ما يجرى مجريهما علما حقيقيا بذلك الشى ء , و اكثر الناس لما لم يعرفوا المبدء الأول تعالى - حق معرفته و لا أوائل الموجودات و المبادى الكلية و الغايات , و لا عرفوا العقول و لا النفوس و لا الطبائع الكلية و اعراضها و اشواقها فى دوبها و حركاتها الدورية تقربا الى الله - تعالى - و طاعته و ما يترشح عنها من الخيرات و نعم الله على الكائنات , حتى أنهم لا يعرفون نفوسهم التى هى اقرب شى ء اليهم , فلا جرم لا يمكنهم فهم آيات القرآن و عجائبه و اسراره و ما يلزمها من الأحكام و العلوم التى لا يتناهى و لا يعد و لا يحصى , و لو كان البحر مدادا و الأشجار اقلاما و الافلاك بصفائحها صحائف و كتبا و اوراقا , و لأجل ذلك صار الانسان يتعجب من كون القرآن مع صغر حجمه و وجازة نظمه فيه جميع العلوم و الأخبار , و لا يؤمن بالقرآن و آياته إلا القليل من الناس و هم الذين خصهم الله بنوره , و نور قلوبهم باياته , و آتاهم الحكمة و فصل الخطاب ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء و الله ذو الفضل العظيم [٢] .
[١] النحل : ٩٠ .
[٢] اصول الكافى شرح صدر المتألهين ط الرحلى , ص ٢٠٦ .