عيون مسائل النفس - حسن زاده الآملي، الشيخ حسن - الصفحة ٤٣ - سرح العيون فى شرح العيون
و هذا قول شريف النهاية بعيد الغور مثلا أقول : إن الاشياء إذا كانت أجساما و لا أجسام , و ما لا اجسام إما جواهر و اما أعراض , و كان الانسان هو الجسم و النفس و الأعراض , و كانت النفس جوهرا لا جسما , فانه إذا عرف ذاته عرف الجسم بأعراضه و العرض الأول و الجوهر الذى هو لا جسم , فاذن إذا علم ذلك جميعا , فقد علم الكل , و لهذه العلة سمى الحكماء الانسان العالم الأصغر]( [١] .
اقول : بيان الحد المذكور أرفع بدرجات مما قاله الكندى كما ستعلم فى تضاعيف مسائل العيون , سيما فى العين الثامنة و الاربعين فى تطابق الكونين . و الان نشير اليه إجمالا فنقول : الانسان بالفعل هو الذى بلغ الى كماله الممكن له و هذا الكمال هو معرفة الكلمات الوجودية التى يعبر عنها بالحقائق النورية على ما هى عليها بالذوق الوجدانى , و الشهود الايقانى , و الكشف النورانى بالالقاء السبوحى , لا الاطلاع على مفاهيمها الاصطلاحية فقط , فان الفلسفة - كما فى أول الاسفار( استكمال النفس الانسانية , بمعرفة حقائق الموجودات على ما هى عليها و الحكم بوجودها تحقيقا بالبراهين لا أخذا بالظن و التقليد , بقدر الوسع الانسانى . و بعبارة أخرى : نظم العالم نظما عقليا على حسب الطاقة البشرية ليحصل التشبه بالبارى تعالى ) .
أقول : التعريف الأخير فى الأسفار ناظر إلى ما أتى به الشيخ الرئيس فى السابع من تاسعة آلهيات الشفاء( : من ان النفس الناطقة , كما لها الخاص بها أن تصير عالما عقليا مرتسما فيه صورة الكل و النظام المعقول فى الكل و الخير الفائض فى الكل , مبتدئة من مبدء الكل سالكة إلى الجواهر الشريفة الروحانية المطلقة , ثم الروحانية المتعلقة نوعا ما بالأبدان , ثم الأجسام العلوية بهيئاتها و قواها , ثم كذلك حتى تستوفى فى نفسها هيأة الوجود كله , فتنقلب عالما معقولا موازيا للعالم الموجود كله مشاهدة , لما هو الحسن المطلق و الخير المطلق و الجمال الحق المطلق و متحدة به و منتقشة بمثاله و هيأته و منخرطة فى سلكه و صائرة من جوهره) [٢] .
ثم ان نظير كلام الشيخ فى كمال النفس ما قاله الحكماء فى حد الفلسفة( : انها التشبه بالاله بقدر الطاقة البشرية) و قال صاحب الأسفار فى بيانه([ : و مفاده ان من يكون علومه
[١] رسالة فى حدود الاشياء و رسومها للكندى , الطبع الاول , مصر ص١٧٣ - ١٧٢ .
[٢] الشفاء , الطبع الاول , ج ٢ , ص ٥٤٦ .