ديوان الشريف الرضي - السيد الشريف الرضي - الصفحة ٥١٢ - أراعي الشيب
يحرّكني من مات لي بسكونه، # و تجديد دهري أن أرى الدّهر باكيا
و أبعد شيء منك ما فات عصره، # و أقرب شيء منك ما كان جائيا
و لست بخزّان لمال؛ و إنّما # تراث العلى و الفضل و المجد ماليا
و إتلاف مالي عن حياتي ألذّ لي، # و لا خير أن يبقى، و أصبح فانيا
و إنّي لألقى راحتي في تقنّعي، # و في طلب الإثراء طول عنائيا [١]
و إنّي إن ألقى صديقا موافقا، # و ذلك شيء عازب عن رجائيا [٢]
و إنّ غريب القوم من عاش فيهم # و ليس يرى إلاّ عدوّا مداجيا [٣]
و أكثر من تلقاه كالسّيف مرهفا # عليك و إن جرّبته كان نابيا
و ما أنا إلاّ غمد قلبي، فإن مضى # مضيت، و ما لي منّة في مضائيا
و ما حملتني العيس إلاّ مشمّرا # لأخرق ليلا، أو لأقطع واديا
طوارح أيد في اللّيالي كأنّها # تجاري إلى الصّبح النّجوم الجواريا
إذا ما رحلناها من الصّيف ليلة، # فلا حلّ حتّى ينظر النّجم رائيا
طواهنّ طيّ السّير في كلّ مهمه، # و رحن خماصا قد طوين المواميا [٤]
مررن بميّاس الثّمام و حزنه # خفافا كأطراف العوالي نواجيا [٥]
و كم جاوزت من رملة ثمّ عاقر، # و أخرى يضفّ الرّوض فيها الغواديا [٦]
و من نفر لا يعرف الضّيف كلبهم، # و يسغب حتّى يقطع اللّيل عاويا [٧]
تهاب النّدى أيديهم، فكأنّما # تلاطم من بذل النّوال الأثافيا [٨]
[١] تقنعي: أخذي بالقناعة.
[٢] عازب: بعيد، غائب.
[٣] المداجي العدو المداهن و الذي يخفي العداوة.
[٤] المهمه: المفازة-الموامي، جمع موماة: الفلاة-الخماص: الجياع.
[٥] الثمام: نوع من النبات-الحزن: الأرض المرتفعة الغليظة.
[٦] العاقر من الرمل: ما لا ينبت-يضف: يجمع-الغوادي: الأمطار الصباحية.
[٧] يسغب: يجوع.
[٨] الأثافي: حجارة الموقد.