ديوان الشريف الرضي - السيد الشريف الرضي - الصفحة ٥١١ - أراعي الشيب
إذا اللّيل واراني خفيت عن الكرى، # و أيدي المطايا جنح ليلي إزائيا
و ما طال ليلي، غير أنّ علاقة # بقلبي تستقري بعيني الدّراريا
ألا ليت شعري هل أرى غير موجع؛ # و هل ألقين قلبا من الوجد خاليا
بأيّ جنان قارح أطلب العلى، # و أطمع سيفي أن يبيد الأعاديا
إذا كنت أعطي النّفس في الحبّ حكمها # و أودع قلبي و الفؤاد الغوانيا
و لم أدن من ودّ و قد غاض ودّه، # و لكنّني داويته ببعاديا
تعمّدني بالضّيم حتّى شكوته، # و من يشك لا يعدم من النّاس شاكيا
و إنّي، إذا أبدى العدوّ سفاهة، # حبست عن العوراء فضل لسانيا
و كنت إذا التاث الصّديق قطعته، # و إن كان يوما رائحا كنت غاديا [١]
سجيّة مضّاء على ما يريده، # مقضّ على الأيّام ما كان قاضيا
أرى الماء أحلى من رضاب أذوقه، # و أحسن من بيض الثّغور الأقاحيا
و أطيب من داري بلادا أجوبها، # إلى العزّ جوبي بالبنان ردائيا
و ربّ منى سدّدت فيه مطالبي، # و أيّ سهام لو بلغن المراميا
و همّ سقيت القلب منه، و حاجة # ركبت إليها غارب اللّيل عاريا [٢]
و عارية الأيّام عندي نسيئة، # أسأت لها قبل الأوان التّقاضيا [٣]
أرى الدّهر غصّابا لما ليس حقّه، # فلا عجب أن يستردّ العواريا
و ما شبت من طول السّنين، و إنّما # غبار حروب الدّهر غطّى سواديا
و ما انحطّ أولى الشّعر حتى نعيته، # فبيّض همّ القلب باقي عذاريا
أرى الموت داء لا يبلّ عليله، # و ما اعتلّ من لاقى من الدّهر شافيا [٤]
فما لي و قرنا لا يغالب كلّما # منعت أمامي جاءني من ورائيا [٥]
[١] التاث: أبطأ.
[٢] الغارب: ما بين السنام و العنق.
[٣] النسيئة: التأخير.
[٤] يبل: يشفى، يبرأ.
[٥] القرن: الشجاع الكفؤ.