المحاضرات - تقريرات - الطاهري الاصفهاني، السيد جلال الدين - الصفحة ٣٦٩ - تقديم و تحقيق
ان الواجب الغيري ما تعلق به الارادة لا لذاته، و الواجب النفسى ما تعلق به الارادة لمصلحة فى ذاته المتحد معه وجودا، فالغيري على هذا المعنى هو ما كان مطلوبا لامر خارج عن ذاته بحيث يكون النسبة بينهما نسبة العلية و المعلولية بحسب الوجود، و ليس معناه ما كان مطلوبا لغير ذاته و ان اتحد الغير معه وجودا، و بذلك يندفع توهم اتصاف جلّ الواجبات او كلها بالغيرية، لانها مطلوبات لغير ذواتها غالبا او دائما، و ذلك لانها كثيرا ما تكون مطلوبة لمصالح توجد فى نفس تلك الافعال المتحدة معها وجودا و ان لم تكن مطلوبة لذاتها، فتامل تعرف.
اذا عرفت ذلك نقول: ان الملاكات على قسمين: قسم منها يكون مما يتولد من فعل المكلف و مسببا توليديا له، و قسم آخر يكون عنوانا منطبقا على فعله بحيث يكون هو و فعل المكلف موجودين بوجود واحد، فلا يلزم من تعلق الارادة اوّلا و بالذات بالملاك و تعلقه بالفعل ثانيا و بالعرض كون اكثر الواجبات او كلها واجبات غيرية، فتدبر.
و قد تحصل من المقدمتين ان العبد ماخوذ بمرادات النفس الامرية للمولى و ان الارادة الواقعية على فرض وجودها انما تعلقت بالملاك، فاذا علم بوجود الارادة الواقعية ببعض كواشفها كالطلب الانشائى مثلا يجب السعى فى تحصيل الملاك الذي تعلقت به تلك الارادة، فكل ما يحتمل دخله فى حصوله يجب اتيانه. و اذا انجر الكلام الى ذلك ينبغى بسط الكلام فى ان العلم بارادة المولى المتعلقة بالملاك الذي يحتمل مدخلية الجزء الزائد فى حصوله هل موجود فى المقام او لا؟
فنقول: ان الملاك حيث لا يكون بما هو علة تامة لوجود الارادة بل هو مقتضى له- و لذا قدمنا ان العلم به بما هو لا يكون حجة على العبد ما لم يعلم بتعلق الارادة به، بل قد تقدم ان للمولى النهى عن الفعل مع كونه جائزا له و هذا النهى حجة على العبد و لو علم بالملاك، و لا يكون معذورا عند العقلاء فى فعله معتذرا بكونه جائزا له- فلا يوجب العلم به العلم بالارادة، و لذا لا نعلم [١] بوجود الارادة المتعلقة بالملاك القائم بالاكثر و حينئذ يجري قاعدة قبح العقاب من غير بيان، و لكنه فيما يتمكن الآمر من البيان و لم يبين
[١]. هذا على فرض الانحلال كما سيأتى مفصلا ان شاء الله، منه.