المحاضرات - تقريرات - الطاهري الاصفهاني، السيد جلال الدين - الصفحة ٢٤١ - الروايات
لا يقال: لا يمكن الاستدلال بهذه الاخبار على وجوب الاحتياط عند المشتبهات مطلقا، ضرورة ان المستفاد منها ان الحكم بالوقوف انما هو لاجل الفرار عن العقاب المحتمل لو صادف الماتى به الواقع، حيث ان عدمه يلازم معرضية النفس للعقاب، و حيث ان اللازم من تعليل حكم بشيء تقدمه على ذلك الحكم كما فى قولك لا تشرب الخمر لانه مسكر او قولك ترك شرب الخمر خير من الابتلاء بالسكر يلزم تطرق احتمال العقاب و معرضية النفس له مع قطع النظر عن حكم الشارع بوجوب التوقف و متقدما عليه، و حينئذ لا يعقل ان يكون الحكم الذي جاء من قبل الهلكة و متأخرا عنه منشأ لثبوتها. و على هذا يختص الاخبار بالشبهات التى قامت الحجة فى موردها على الواقع كالشبهة المقرونة بالعلم الاجمالى و الشبهات قبل الفحص و نحوهما، حيث انه يتمشى احتمال العقاب فى هذه الموارد مع قطع النظر عن حكم الشارع فيها بوجوب التوقف، و اما فى غيرها من الشبهات فلا مهلكة بعد حكم العقل و النقل بالبراءة، و حينئذ يكون حكم الشارع به ارشاديا محضا لاستقلال العقل بوجوب الاحتياط فيما يحتمل العقاب.
فانه يقال: اذا تعلق حكم بطبيعة من الطبائع معلّلا بعلة مع كون المتكلم فى مقام البيان فالظاهر جريان الحكم فى جميع افراد تلك الطبيعة و سراية العلة فيه، و اذا نقول على ما اخترناه من ان مقتضى حكم العقل فى جميع الشبهات هو الاحتياط و أنّه ليس لقاعدة قبح العقاب بلا بيان عين و اثر عند المتامل، فلا شك فى صيرورة الاوامر الدالة على وجوب التوقف ارشاديا محضا لورودها على طبق حكم العقل المستقل. و على ما اختاره الاصوليون من ان مقتضى القاعدة فى الشبهات بعد الفحص الغير المقرونة بالعلم هو البراءة فلا اشكال فى ان مقتضى الجمع بين القاعدة و الاطلاق فى هذه الاخبار ان يستكشف من هذه الاخبار ان الشارع قد اوجب الاحتياط فى جميع الشبهات.
لا يقال: ايجاب الاحتياط ان كان مقدمة للتحرز عن عقاب الواقع فهو قبيح، لانه مجهول و العقل المستقل يحكم بقبح عقاب الجاهل القاصر و ان كان نفسيا، فالعقاب على مخالفته لا مخالفة الواقع و هو خلاف ظاهر الاخبار بل صريحه.
فانه يقال: قد حقق فى محله ان ايجاب الاحتياط طريقى محض، و هو مما يصح ان يحتج به، و مما يكون بيانا على الواقعيات كما هو الحال فى اوامر الطرق و الامارات.