المحاضرات - تقريرات - الطاهري الاصفهاني، السيد جلال الدين - الصفحة ٩١ - التحقيق فى هذا المقام
يتبين فيها التكليف للمكلف بنحو صحيح لو ارجعه الى الاصول لزم اهمال التكاليف و تفويت معظمها، و لو ارجعه الى تحصيل العلم و الاطمينان باي طريق حصل لزم تفويت المصالح باكثر مما تفوت عند جعل الطريق من جهة غلبة خطاء هذا النحو من العلم، فعند ذلك لا بد له بحسب الظاهر و مجرى العادة من جعل الطريق حفظا لها بقدر الميسور، فما اصاب منه الواقع فهو، و ما اخطأ فلا ضير فيه بعد كون التفويت اللازم منه اقل مما يفوت بغير هذا النحو، نعم فيما كان الطريق مؤدّيا الى خلاف الواقع كما اذا كان الواجب واجبا او حراما و كان مؤدّى الطريق جواز الترك او الفعل فدليل التعبد حيث يتضمن الاذن فى الترك او الفعل كان الاذن بنفسه منافيا لفعلية الواقع، فلا بد فى مثله من الالتزام بعدم فعلية الواقع بحيث يوجب البعث و الزجر، لكنه لا ينافى المرتبة الاكيدة من الحب و البغض، فان لها مرتبتين، إحداهما: ما يتأسف من فوت التكليف نحو الذي يتصور عند العصيان و هذا كما فى صورة القطع بالخلاف و كما فيما نحن فيه فانه لا يوجب التأسف بشيء من جهة وجود الارادة و الكراهية غاية الامر لا يمكن استيفاؤهما. الثانية: الصورة مع البعث و الزجر الفعليين، و الذي يجب الالتزام به فى المورد عدم الفعلية بالمرتبة الثانية لا الاولى، و يشهد بذلك حسن الاحتياط مع قيام الطريق ايضا، فتدبر.
و اما الاصول الغير الناظرة الى الواقع كاصالة الاباحة الشرعية فحيث ليست لادراك الواقع لا بد و ان تكون فيه مصلحة غير المصالح الواقعية، و ربما تكون هى رفع العسر و الحرج من دون ان يكون فى مؤدّاها مصلحة، بل هى انما تكون فى نفس الجعل و الاذن فى الاقدام و الاقتحام، و يشهد بذلك حسن الاحتياط فى مواردها لو اراد المكلف تحميل العسر على نفسه. فان حسن الاحتياط المقطوع به كاشف عن وجود المصلحة و المفسدة و الحب و البغض فى مؤدّيات الاحكام الواقعية و عدم وجودها فى مؤدّيات الاصول. نعم لما كان استيفاؤها مزاحمة لجهة اخرى من لزوم المشقة و العسر و الحرج ألجأ ذلك الشارع الى جعلها صبرا على المكروه و اغماضا عن تلك المصالح من جهة التزاحم. و بذلك يتضح وجه الجمع بينها و بين الاحكام الواقعية فتدبر.