الصحوة - البيّاتي، صباح - الصفحة ٩٠
فالذين يزعمون أن ابن سبأ قد اتصل بأبي ذر فألقى اليه بعض مقاله، يظلمون أنفسهم ويظلمون أبا ذر، ويرقون بابن السوداء هذا الى مكانة ما كان يطمع في أن يرقى إليها.
والرواة يقولون: إن أبا ذر قال ذات يوم لعثمان بعد رجوعه من الشام الى المدينة: لا ينبغي لمن أدى الزكاة أن يكتفي بذلك حتى يعطي السائل ويطعم الجائع وينفق من ماله في سبيل الله، وكان كعب الأحبار حاضراً هذا الحديث فقال: من أدى الفريضة فحسبه; فغضب أبو ذر وقال لكعب: يابن اليهودية ما أنت وهذا أتعلمنا ديننا ثم وجأه بمحجنه[١].
فأبو ذر ينكر على كعب الأحبار أن يعلمه دينه، بل أن يدخل في اُمور المسلمين حتى بإبداء الرأي، مع أن كعب الأحبار مسلماً أبعد عهداً بالاسلام من ابن سبأ، وكان مجاوراً في المدينة يصبح ويمسي بين أصحاب النبي، وكان معاشراً لعمر وعثمان، ثم لا يتحرج من أن يتلقى من عبدالله بن سبأ أصلا من اُصول الاسلام وحكماً من أحكام القرآن فأعجب لرجل من أصحاب النبي يُنكر على كعب أن يجادل في الدين، ثم يتلقى الدين نفسه من عبدالله بن سبأ[٢].
أما ابن كثير - الذي بدا غير مقتنع هو الآخر برواية الطبري تلك- فيكتفي بذكر القصة باختصار حيث يقول عن أبي ذر: كان ينكر على من يقتني مالا من الأغنياء ويمنع أن يدخر فوق القوت، ويوجب أن يتصدق بالفضل، ويتأول قول الله سبحانه وتعالى: (والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في
[١] مسند أحمد ١: ٦٣، مجمع الزوائد ١٠: ٢٣٩، السيرة الحلبية ١: ١٦٠، حياة الصحابة ٢:١٥٧ [٢] الفتنة الكبرى: ٣٢٧ ضمن المجموعة الكاملة.