الصحوة - البيّاتي، صباح - الصفحة ١٩١
إلاّ أن ما حدث هو العكس تماماً، فقد طفحت كتب التاريخ التي أرخت لأحداث سنة (٣٥ هـ) بأخبار خروج أهل مصر والكوفة والبصرة، ومسيرهم الى المدينة ومحاصرتهم مقر الخلافة الاسلامية فيها أياماً طويلة حتى انتهى الأمر بمصرع الخليفة عثمان بن عفان. فما هي حقيقة الأحداث في تلك الفترة العصيبة، وما هي الروايات التي اعتمدها جمهور المؤلفين ممن جاء بعد الطبري، ولماذا؟
لنبدأ أولا باستعراض رواية القاضي ابن العربي للأحداث، حيث قال:
وساروا إليه، على أهل مصر عبدالرحمان بن عديس البلوي، وعلى أهل البصرة حكيم بن جبلة، وعلى أهل الكوفة الأشتر مالك بن الحارث النخعي; فدخلوا المدينة هلال ذي القعدة سنة خمس وثلاثين، فاستقبلهم عثمان، فقالوا: إقرأ، فقرأ حتى انتهى الى قوله (ءَاللهُ أذِنَ لكُم أَمْ على اللهِ تَفتَرونَ). قالوا له: قف، أرأيت ما حميت من الحمى، أذن الله لك أم على الله افتريت؟ قال: امضه، إنما نزلت في كذا، وقد حمى عمر، وزادت الابل فزدتُ.
فجعلوا يتبعونه هكذا، وهو ظاهر عليهم، حتى قال لهم: ماذا تريدون؟
فأخذوا ميثاقه، وكتبوا عليه ستاً أو خمساً: إن المنفيّ يقلب، والمحروم يعطى، ويوفّر الفيء، ويعدل في القسم، ويستعمل ذو الأمانة والقوة.
فكتبوا ذلك في كتاب، وأخذ عليهم أن لا يشقّوا عصا، ولا يفرقوا جماعة. ثم رجعوا راضين، فبينما هم كذلك، إذا راكب يتعرض لهم ثم يفارقهم مراراً.
قالوا: مالك! قال: أنا رسول أمير المؤمنين الى عامله بمصر، ففتشوه، فاذا هم بالكتاب على لسان عثمان، عليه خاتمه إلى عامل مصر أن يصلبهم ويقطع أيديهم وأرجلهم.