الصحوة - البيّاتي، صباح - الصفحة ٣٩
ومطابقتها للحقيقة.
أما الأتجاه الثاني فهو يستهدف التوصل الى الحقيقة مهما كانت مرّة، لأن دفن الرؤوس في الرمال لا يجدي نفعاً، فلابد من الاستفادة من تجارب الماضي وأخطائه لتكون منطلقاً لتكوين رؤية صحيحة لتاريخنا على دعائم صحيحة وواعية، بعيداً عن المحاباة على حساب الحقائق، وعليه "فلابد أن نجعل أمام أعيننا أننا سندرس تاريخ اُمم إن كانت أخطأت في بعض تصرفاتها فليس علينا من تبعة ذلك الخطأ شيء، وليس لنا إلاّ ان نعرفه ونستفيد منه، وإن كانت أصابت المحجة فإن ذلك لا ينفعنا إذا لم يكن لنا مثل أعمالهم، لذلك يحتاج دارس التاريخ إلى سعة صدر يحتمل كل ما يرد على تاريخ قومه من نقد حتى لا تبقى حقائق الأشياء محجوبة بسُحب عاطفتي الحب والبغض"[١].
فلابد إذاً من دراسة الروايات التي جاءت في مصادرنا التراثية دراسة علمية نزيهة بعيدة عن الميول والأهواء والقناعات السابقة، ذلك "أن تاريخ العرب[٢] وإن يكن ما دوّن فيه كثير من التحري والتدقيق ومحاولة الضبط بشكل قد يفوق فيه ما دوّن عند الاُمم الاُخرى، إلاّ أنه يشكو من أدوار خطيرة بعضها قديم، وبعضها يتصل بطريقة كتابته الآن، فقد عبثت برواياته الاتجاهات الحزبية والدينية، وربما ورث هذا من نشأته، لأن تلك وثيقة الصلة بعلم الحديث والسياسة، وأحسب أن القارئ يعلم كثرة ما وضعته الأحزاب والفرق من أحاديث لتثبيت كيانها ومهاجمة خصومها"[٣].
إن مهمة إعادة كتابة التاريخ يجب أن تتصدر الأولوية من جهد الباحثين
[١] محاضرات في تاريخ الاُمم الاسلامية، الخضري: ٣.
[٢] الأصح تاريخ المسلمين.
[٣] مقدمة في تاريخ الاسلام: ١٠.