الصحوة - البيّاتي، صباح - الصفحة ٥٢٤
فاذا كان النبي (صلى الله عليه وآله) يحث أصحابه على التعفف، أفلا يكون قدوة لهم في ذلك. هذا مع العلم أنه لم تصلنا سوى رواية عن عائشة تقول:
أرسل أبو بكر قائمة شاة ليلاً، فقطعتُ وأمسك عليَّ رسول الله (صلى الله عليه وآله)، أو قطع رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأمسكتُ عليه.
فقيل لها: على غير مصباح؟ قالت عائشة(رضي الله عنه): لو كان عندنا مصباح لإئتدمنا به...[١]
وقد تبيّن ابن تيمية هذا الخلل الفاحش، فحاول تبرير الرواية بقوله:
إن إنفاق أبي بكر لم يكن نفقة على النبي في طعامه وكسوته، فان الله قد أغنى رسوله عن مال الخلق أجمعين، بل كان معونة له على إقامة الدين، فكان إنفاقه فيما يحبه الله ورسوله، لا نفقة على نفس الرسول[٢].
لكن هذا لا ينقذ الموقف، لأن فحوى الحديث المزعوم لا تدل على هذا الاستنتاج، ومن جهة اُخرى فان الروايات التي جاءت عن إنفاق بعض الصحابة الآخرين، تفوق كثيراً ما ورد في إنفاق أبي بكر، كالروايات التي تذكر أن عثمان بن عفان قد جهّز جيش العسرة بعشرة آلاف دينار أو بكذا أوقية ذهب... الخ، وفيها من الفضائل لعثمان بن عفان ما ليس لأبي بكر عُشرها، فكان ينبغي للنبي (صلى الله عليه وآله) أن يعتبر عثمان بن عفان أمنّ الناس عليه بدلا من أبي بكر.
وإذا جمعنا الرواية المزعومة تلك، الى الرواية الاُخرى التي احتج بها ابن العربي وهي قول النبي (صلى الله عليه وآله) -فيما تدعي الرواية- "إني بعثت إليكم فقلتم كذبت
[١] الطبقات الكبرى ١: ٤٠٠.
[٢] منهاج السنّة النبوية ٤: ٢٨٩.