الصحوة - البيّاتي، صباح - الصفحة ٧٧١
قول الصحابي حجّة أو سنّة، لأن الصحابة كانوا يتفاوتون في علومهم، و "كانوا يغيبون عن مجلس النبي (صلى الله عليه وآله)، فكانوا يجتهدون فيما لم يحضروه من الأحكام، ولعدم تساوي هؤلاء المجتهدين في العلوم والادراكات وسائر القوى والملكات، فتختلف الآراء والاجتهادات، ثم تزايدت تلك الاختلافات بعد عصر الصحابة"[١].
ولكن الجمهور وجد نفسه مضطراً إلى القول بعدالة الصحابة جميعاً، لأنهم أصبحوا المصدر الذي يستقي منه الجمهور عقيدته، فإذا وقع الشك في عدالتهم، فعند ذلك يصبح المصدر الذي يأخذ منه الجمهور عقيدته وشريعته في محل اتهام، وبذلك يمكن التشكيك في صحة اعتقادات الجمهور، وقد اعترف علماء الجمهور بذلك، فقال أبو زرعة: إذا رأيت الرجل ينتقص أحداً من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فاعلم أنه زنديق، وذلك أن الرسول حق، والقرآن حق، وما جاء به حق، وإنما أدى إلينا ذلك كله الصحابة، وهؤلاء يريدون أن يجرحوا شهودنا ليبطلوا الكتاب والسنّة، والجرح بهم أولى، وهم زنادقة[٢].
ولكن أبا زرعة قد فاته أن مصدر أخذ الكتاب والسنّة هم الثقل الثاني المتمثل بأهل بيت النبي (صلى الله عليه وآله)، كما أخبر بذلك النبي في حديث الثقلين المتواتر.
والخلاف بين الصحابة في الفتوى كثير جداً، فأبو هريرة هو أكثر الصحابة المحدّثين عن النبي (صلى الله عليه وآله)، فقد صحب رسول الله نحواً من ثلاث سنين، وأكثر الرواية عنه وعُمّر بعده نحواً من خمسين سنة، فلما أتى من الرواية عنه ما لم يأت بمثله من صحبه من جلة أصحابه السابقين الأولين، اتهموه وأنكروا عليه
[١] تاريخ حصر الاجتهاد: ٩٠، ٩٢، الخطط ٢: ٣٣٢.
[٢] مقدمة كتاب الاصابة لابن حجر: ١٠.