الصحوة - البيّاتي، صباح - الصفحة ٣١٨
عند أكفر الناس وأخبثهم! قلت: وما ذاك؟ قال: قلت له وقد خلوت به: إنك قد بلغت سنّاً يا أمير المؤمنين، فلو أظهرت عدلا وبسطت خيراً، فإنك قد كبرت، ولو نظرت الى إخوتك من بني هاشم فوصلت أرحامهم، فوالله ما عندهم اليوم شيء تخافه، وإن ذلك مما يبقى لك ذكره وثوابه.
فقال: هيهات هيهات، أي ذكر أرجو بقاءه؟ ملك أخو تيم فعدل، وفعل ما فعل، فما عدا أن هلك حتى هلك ذكره، إلاّ أن يقول قائل: أبو بكر. ثم ملك أخو عدي، فاجتهد وشمّر عشر سنين; فما عدا أن هلك حتى هلك ذكره، إلاّ أن يقول قائل: عمر، وإن ابن أبي كبشة ليُصاح به كل يوم خمس مرات أشهد أن محمّداً رسول الله فأي عمل يبقى وأيُّ ذكر يدوم بعد هذا لا أبا لك! لا والله إلاّ دفناً دفناً!"[١].
وقد أدرك المغيرة بعد هذا اللقاء، أن لا مندوحة له من الاستمرار في انتهاج السياسة التي رسمها له معاوية حتى النهاية، رغم أن المغيرة كان يعلم جيداً أن ما يذكره من فضل عثمان وذم عليّ لا حقيقة له، ولكنه ملزم به، وبخاصة في بلدة مثل الكوفة، وما جرى بينه وبين صعصعة بن صوحان -فيما أورده المؤرخون- يدل على ذلك، إذ أنه "بلغه أنه يعيب عثمان بن عفان ويكثر ذكر علي ويفضّله، وكان المغيرة دعاه وقال له: إيّاك أن يبلغني عنك أنك تعيب عثمان، وإياك أن يبلغني أنك تظهر شيئاً من فضل علي، فأنا أعلم بذلك منك، ولكن هذا السلطان قد ظهر، وقد أخذنا باظهار عيبه للناس، فنحن ندع شيئاً كثيراً مما أمرنا به، ونذكر الشيء الذي لا نجد منه بدّاً، ندفع به هؤلاء القوم عن أنفسنا، فإن كنت ذاكراً فضله، فاذكره بينك وبين أصحابك في
[١] شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ٥: ١٢٩.