الصحوة - البيّاتي، صباح - الصفحة ٥٤٩
إن الاستنتاج الذي نخرج به من كل ذلك هو أن المتعصبين قد تلاعبوا بهذا الموضوع كما تلاعبوا بكل شيء يمت الى تراثنا، وزيّفوا الحقائق ووضعوا الروايات المتكاثرة نصرة للنظرة المتعصبة الضيّقة، لذا نجد هذه الروايات المتناقضة التي حيّرت الشرّاح وهم يعتصرون أدمغتهم في محاولة الجمع بينها، كما أوقعت بعض هذه الروايات الفقهاء أيضاً في تناقضات كثيرة، سنذكر مثالا لها بعد قليل. ولنستمع أولا الى ما يقوله ابن أبي الحديد المعتزلي حول موضوع صلاة أبي بكر، نقلا عن شيخه أبي يعقوب:
... ومن حديث الصلاة بالناس ما عُرف، فنسب علي (عليه السلام) الى عائشة أنها أمرت بلالا مولى أبيها أن يأمره فليصلّ بالناس، لأن رسول الله كما رُوي قال: "ليصلّ بهم أحدهم"، ولم يعيّن -وكانت صلاة الصبح- فخرج رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهو في آخر رمق يتهادى بين علي والفضل بن العباس، حتى قام في المحراب كما ورد في الخبر، ثم دخل فمات ارتفاع الضحى، فجعل يوم صلاته حجّة في صرف الأمر إليه، وقال: أيكم يطيب نفساً أن يتقدّم قدمين قدّمهما رسول الله في الصلاة! ولم يحملوا خروج رسول الله (صلى الله عليه وآله) الى الصلاة لصرفه عنها، بل لمحافظته على الصلاة ما أمكن، فبويع على هذه النكتة التي اتهمها علي (عليه السلام) على أنها ابتدأت منها، وكان علي (عليه السلام) يذكر هذا لأصحابه في خلواته كثيراً، ويقول: إنه لم يقل (صلى الله عليه وآله): "إنكن لصويحبات يوسف" إلاّ إنكاراً لهذه الحال وغضباً منها، لأنها وحفصة تبادرتا الى تعيين أبويهما، وأنه استدركها بخروجه وصرفه عن المحراب، فلم يُجدِ ذلك ولا أثّر، مع قوة الداعي الذي كان يدعو الى أبي بكر ويمهّد له قاعدة الأمر...، فقلت له - رحمه الله- أفتقول أنت ان عائشة عيّنت أباها للصلاة ورسول الله لم يعيّنه؟!
فقال: أما أنا فلا أقول ذلك، ولكن علياً كان يقوله، وتكليفي غير تكليفه،